الصـــــلاح
عزيزى الزائر / عزيزتى الزائرة ... سلام الرب يسوع معكم :- يرجى التكرم بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب فى الانضمام الى أسرة المنتدى/ نتشرف بتسجيلك معنا

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

حمل تولبار الصلاح
toolbar powered by Conduit
تابعونا على الفيس وتويتر
FacebookTwitter
المواضيع الأخيرة
» قصة الملائكة يكتبون
الثلاثاء أكتوبر 11, 2016 4:39 pm من طرف aziz sabbah

» قصة للقديسفيليبو نيري
الثلاثاء أكتوبر 11, 2016 4:35 pm من طرف aziz sabbah

» كتب كاثوليكية متفرقة بصيغة الوورد وال بي دي اف
السبت أكتوبر 01, 2016 3:02 pm من طرف rady massry

» قوعد السعادة السبعة
الأربعاء سبتمبر 21, 2016 8:55 pm من طرف aziz sabbah

» هل انت مسيحي حقيقي
الأربعاء سبتمبر 21, 2016 8:37 pm من طرف aziz sabbah

» لماذا نقبل يد الكاهن
الأربعاء سبتمبر 21, 2016 7:50 pm من طرف aziz sabbah

» عيد مريم البتول
الخميس سبتمبر 08, 2016 7:57 pm من طرف aziz sabbah

» كل المزامير مرتلة بصوت الاب منصول لبكي
الأحد سبتمبر 04, 2016 12:34 am من طرف andoona

» دموع التوبة
الثلاثاء أغسطس 23, 2016 2:38 pm من طرف aziz sabbah

» عيد قلب مريم الطاهر
الإثنين أغسطس 22, 2016 8:28 pm من طرف aziz sabbah

» قصة اليوم
السبت أغسطس 20, 2016 8:00 pm من طرف aziz sabbah

» صلاة ليسوع المسيح
السبت أغسطس 13, 2016 4:32 pm من طرف خليل ميخائيل طربيه

زوار المنتدى
تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 


تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Furl  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  

قم بحفض و مشاطرة الرابط الصلاح على موقع حفض الصفحات

قم بحفض و مشاطرة الرابط الصـــــلاح على موقع حفض الصفحات


جميع الحقوق محفوظة لـ{الصلاح}
 Powered ELSALAH ®{elsalah.forumotion.com}
حقوق الطبع والنشر©2011 - 2010

تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 3:28 pm

اليوم الأول ( الأثنين ) من الأسبوع السادس من الصوم الكبير


قراءات باكر
قراءات القداس


أم 8 : 1 – 11

إش 43 : 10 - 28
مز 38 : 9



مر 12 :1 - 12

1 تس 4 : 1 - 18

يعقوب 4 : 7 - 12

أع 18 : 9 - 18

مز 35 : 1 ، 2

لو 13 : 1 - 5




من النبوات .. إشعياء 43 : 10 – 28

إشعيا – الإصحاح الثالث والأربعون
ليس غيرى مخلص



قدم الإصحاح السابق صورة قاتمة لما بلغ إليه الشعب فى فترة السبى البابلى فصاروا كعمى وصم ، لهم أعين وآذان لكنهم لم يلاحظوا عمل الله ولم يسمعوا صوته . هذه صورة خفيفة لعمل الخطية فى حياة البشرية لذا صارت الحاجة إلى تدخل الهي ، هو وحده يقدر أن يفدى ويخلص ، يحطم كل عقبة تقف فى حياة أولاده دون انتظار لمكافأة أو لمقابل من جانبهم .



( 1 ) لا تخف فإنى معك :

يبدأ حديثه هكذا : " والآن هكذا " إش 43 : 1 ، كأن الله يريد أن يغير الصورة السابقة ، صورة سبى الخطية المر ، الذى أفقدنا البصيرة الداخلية وآذان النفس ، وذلك بتقديمه غنى مواعيده الخلاصية وفيض نعمته الفائقة .

الآن ما هو دور الفادى المحرر من سبى الخطية ؟

( أ ) الله الخالق وحده يقدر أن يجدد الخليقة : " والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل ، لا تخف لأنى فديتك " إش 43 : 1 .

كانت الحاجة ماسة إلى ابن الله الواحد مع الآب والمساوى له فى الجوهر أن يقدم نفسه ذبيحة قادرة على الإيفاء بدين خطايانا وتحقيق العدالة والرحمة الإلهية فى ذات الوقت .

( ب ) اهتمام شخصى من جانب المخلص نحو الإنسان ، الله لم يخلق الإنسان وكأنه كبقية المخلوقات ، إنما اعطاه اهتماما خاصا كخليقة محبوبة لديه ، يعرف الإنسان باسمه فيدعوه ويفديه ليكون له ، أى لينعم الإنسان بالأتحاد معه

ما أجمل صوت الفادى حين يناجى كل إنسان ، قائلا :

" لا تخف لأنى فديتك ،

دعوتك باسمك ،

أنت لى " إش 43 : 1 .

( ج ) الله المخلص هو سر نصرتنا ، مادام معنا لا تغمرنا مياة هذا العالم ولا تحرقنا نيران الشهوات .

"إذا اجتزت فى المياة فأنا معك ، فى الأنهار فلا تغمرك . إذا مشيت فى النار فلا تلدغك ، واللهيب لا يحرقك " إش 43 : 2 .

صورة رائعة لعمل المخلص ، يهبنا ذاته فلا يقدر الموت بكل وسائله وطرقه أن يبتلعنا .. نحمل مسيحنا " القيامة " يو 11 : 25 . فينا فنمارس الحياة المقامة الغالبة للموت .

د – المخلص يدفع الثمن ، فقد تطلعت الكنيسة الأولى إلى الصليب كإيفاء للدين الذى علينا نحو الآب ، وكإقتناء لنا من يد إبليس الذى اشترانا عبيدا له فدفع الرب دمه ثمنا لذلك من أجل تحريرنا . هذا هو عمل المخلص القدوس الذى يريد تقديسنا بدمه وتحريرنا من عبودية إبليس ، لذلك يقول :

" لأنى أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك ، جعلت مصر فديتك ، كوش وسبا عوضك " إش 43 : 3 .

لقد اشترانا الرب لا بذهب أو فضة إنما بدمه الثمين ليقيمنا ملوكا وكهنة :

" لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة ، وجعلتنا لإلهنا ملوكا وكهنة " رؤ 5 : 9 ، 10 .

" لأنكم قد اشتريتم بثمن ، فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله " 1 كو 6 : 20

" لقد أشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدا للناس " 1 كو 7 : 23 .

( هـ ) المخلص يرد لنا مجدنا ووحدتنا : غالبا ما يئس الكثيرون أثناء السبى من إمكانية العودة إلى بلادهم بسبب طول مدة بقائهم فيه ، لكن الله المخلص يطمئن أولاده قائلا :

" لا تخف فإنى معك . من المشرق آتى بنسلك ومن المغرب أجمعك . أقول للشمال أعط وللجنوب لا تمنع . إيت ببنى من بعيد وببناتى من أقصى الأرض . بكل من دعى بأسمى وكمجدى خلقته وجبلته وصنعته " إش 43 : 5 – 7 .

يلاحظ فى هذا الإصحاح أن الله يتحدث عن نفسه " أنا " لا يقل عن 36 مرة حتى دعى أصحاح " الذات الإلهية " أو " الأنا الإلهية " وقد تكرر نفس الأمر فى الإصحاح الخامس والأربعين 31 مرة .. ماذا يعنى هذا ؟ إن كان عمل الخطية هى تحوصل الإنسان فى " الأنا " ، فيجد فى نفسه مركزا للعالم وللآخرين ، يود أن يتمتع بالملذات الجسدية أو الكرامة لحسابه الخاص فى كبرياء وأنانية ، فإن مسيحنا على العكس يقدم ذاته التى هى " الحب " لكى نقتنيه .عندما ينادينا ألا نخف ، وعندما يدعونا بالأسم ، ويؤكد رعايته لنا أينما وجدنا ومهما حلت بنا من تجارب وعندما يقدم لنا مواعيده بأن يجمعنا من أقاصى المسكونة لكى يضمنا إليه .. إنما فى هذا كله لا يطلب ما لنفسه بل ما هو لنا .يهبنا معيته لكى نقتنيه . لهذا بين الحين والآخر يقول " إنى معك " ، وأنه لنا ، نصيبنا الأبدى .



( 2 ) أنتم شهودى

ماذا يقدم الله لنا ؟

يقدم ذاته نورا لنا فيفتح حواسنا لنبصر أمجاده فينا وملكوته السماوى معلنا داخلنا ، ويفتح آذاننا لنسمع صوته الإلهى وندرك غاية وصيته ، فتصير لنا آذان الأبناء الذين يعرفون صوت أبيهم بل حتى حركة رجليه .. هذا ما عناه بقوله :

" اخرج الشعب الأعمى وله عيون والأصم وله آذان " إش 43 : 8 .

هذا هو دور الله مخلصنا فى حياتنا الداخلية حيث يجدد طبيعتنا فى مياة المعمودية بروحه القدوس ليهبنا الإنسان الجديد القادر على التمتع بالشركة الإلهية .

خلال هذه الخبرة نشهد للغير ، فتدعو الكنيسة لإجتماع عام للأمم ( إش 43 : 9 – 13 ) للتعرف على المخلص وتأكيد تحقيق ما سبق فوعد به خلال أنبيائه عبر الأجيال قبل مجيئه

" اجتمعوا يا كل الأمم ولتلتئم القبائل . من منهم يخبر بهذا ويعلمنا بالأوليات ، ليقدموا شهودهم ويتبرروا ، أو ليسمعوا فيقولوا صدق . أنتم شهودى يقول الرب وعبدى الذى اخترته لكى تعرفوا وتؤمنوا بى وتفهموا أنى أنا هو . قبلى لم يصور إله وبعدى لا يكون . أنا أنا الرب وليس غيرى مخلص .. " إش 43 : 9 – 11 .

يطالب الله من تمتع بالبصيرة الجديدة والآذان الروحية الجديدة أن يدعو الأمم والقبائل للدخول معهم فى حوار عملى خلال ما يعيشونه . فى هذا الحوار يسألوا الأمم إن كان عندهم نبوات سابقة واضحة وأكيدة فيما يخص المستقبل ( إش 41 : 22 ) . أما نحن فقد تقبلنا نبوات لا عن انتصار كوش على بابل لإنقاذ شعب الله القديم ، وإنما عن المسيا ، العبد المختار .

يؤكد الكتاب المقدس أن الله وحده هو المخلص : " أنا أنا الرب وليس غيرى مخلص " إش 43 : 11 . الله الخالق فى غيرته على محبوبه الإنسان ، لا يأتمن خلاصه على أحد بل يرعى شعبه بنفسه ويبذل حياته عنه " الراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف " يو 10 : 11 . هو خلق وهو الذى يجدد الخلقة ويخلصها !



( 3 ) سقوط بابل

الله الذى سمح بتأديب شعبه بالسبى البابلى الآن من أجل محبته لشعبه يسمح بسقوط بابل . يتحدث بصيغة الماضى ليؤكد لسامعيه أن ما سيحدث هو حقيقة واقعة لا بد أن تتم .

جاء النص مختلفا من ترجمة إلى أخرى مع بقاء المعنى ثابتا :

" هكذا يقول الرب فاديكم قدوس إسرائيل : لأجلكم أرسلت إلى بابل وألقيت المغاليق عليها ( أحدرت نبلاءها ) والكلدانيون فى سفن ترنمهم ( صراخهم فى سفنهم ) " إش 43 : 14 .

هنا يظهر الله كقائد للجيوش المعادية يرسل مادى وفارس إلى بابل ، وهناك يلقى بالرعب فى قلوب سكانها فيهربون سريعا .

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 3:28 pm

( 4 ) خروج جديد

الله الذى يخلص شعبه أن وهبهم خلاصا على يدى موسى ليحررهم من عبودية فرعون ، وها هو يخرجهم من السبى البابلى كما فى خروج جديد ، ويبقى على الدوام يخرج بهم من أسر الخطية إلى حرية مجد أولاد الله ، ينطلق بهم كما من أعمال الإنسان العتيق إلى التمتع المستمر بأعمال الإنسان الداخلى الجديد .

" هكذا يقول الرب الجاعل فى البحر طريقا وفى المياة القوية مسلكا ، المخرج المركبة والفرس الجيش والعز . يضطجعون معا لا يقومون . قد خمدوا كفتيلة انطفأوا " إش 43 : 16 ، 17 .

هذا الخلاص الذى تحقق ضد فرعون وأيضا ضد بابل يجب أن يتم ضد أعمال الإنسان العتيق ( كو 3 : 9 ) ، لذا يكمل النبى حديثه ، قائلا :

" لا تذكروا الأوليات ، والقديمات لا تتأملوا فيها ، هأنذا صانع أمرا جديدا ، الآن ينبت ، ألا تعرفونه ؟! اجعل فى البرية طريقا ، فى القفر أنهارا " . إش 43 : 18 ، 19 .

يريدنا ليس فقط أن نخلع الإنسان القديم بأعماله وإنما أن ننساه تماما ولا نعود نذكره أو نتأمل فيه حتى لا نيأس ونتحطم ، إنما بالحرى ننشغل بالحياة الجديدة التى تنبت فينا . إنه يجعل فى البرية طريقا وفى القفر أنهارا . ما هذا الطريق إلا السيد المسيح نفسه القائل :

" أنا هو الطريق " يو 14 : 6 .

يؤكد الله انفتاح باب الإيمان أمام الأمم لأقتناء شعب جديد ، يعرف الفرح الداخلى والتسبيح ، قائلا :

" يمجدنى حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأنى جعلت فى البرية ماء أنهارا فى القفر لأسقى شعبى مختارى ، هذا الشعب جبلته لنفيى ، يحدث بتسبيحى " إش 43 : 20 ، 21 . يشبه الأمم بالحيوانات المفترسة التى تعيش فى البرية ، ذلك بسبب ما اتسموا به من عنف شديد ، ولأنهم عاشوا كما فى البرية ليس بينهم مواعيد ولا عهود ولا شريعة إلهية إلخ .. فى حالة قفر شديد . هؤلاء القساة صاروا يتمتعون بماء أنهار الروح القدس ليشربوا ويرتوا ، ويقبلوا العضوية فى شعب الله المختار . بهذا تتغير طبيعتهم خلال عمل الثالوث القدوس فيهم وينفتح قلبهم للفرح ولسانهم للتسبيح .

ما أجمل العبارة الإلهية : " هذا الشعب جبلته لنفسى ! " إش 43 : 21 صرنا له ، نصيب الرب ، كما هو لنا نصيبنا ! .



( 5 ) الخلاص عطية مجانية :

الله يقدم أعماله الخلاصية مجانا للبشرية ، لكن هناك بعض العوائق التى عطلت مقاصد الله مع الشعب القديم الذى رفض الإيمان بالمخلص ، هذه العوائق هى :

أ – عدم الصلاة : " وأنت لم تدعنى يا يعقوب حتى تتعب من أجلى يا إسرائيل " إش 43 : 22 ..فإن الصلاة هى سر قوتنا ، سر تمتعنا بعمل الله وكما يقول الآباء : تفعل الصلاة ما تحب كما يستطيع الله ! ..

ب – تجاهل الله حتى فى الأمور الصغيرة : " لم تحضر لى شاة محرقتك وبذبائحك لم تكرمنى . لم استخدمك بتقدمة ولا أتعبتك بلبان . لم تشتر لى بفضة قصبا وبشحم ذبائحك لم ترونى " إش 43 : 23 ، 24 .

حينما أخرج الله شعبه من مصر لم يكن فى عوز إلى تقدماتهم وذبائحهم الحيوانية ، إنما كان يطلب قلوبهم ، يشتاق أن يقربهم إليه بكونهم شعبه الخاص ، أما الذبائح فكانت رموزا لذبيحة المسيح ، وعلامة حب له .. كان ينتظر أن يقدموا قلوبهم مع محرقاتهم وذبائحهم وبخورهم الخ ....

جـ - الأنشغال بالملذات الجسدية والشهوات العالمية : " لكن استخدمتنى بخطاياك وأتعبتنى بآثامك " إش 43 : 24 . عوض تكريم الرب بتقديم القلب ذبيحة محرقة مع ممارسة العبادة انحرف الشعب إلى الأنانية والأرتباك بالأمور الزمنية ..

مع ما بلغنا من الشر يبقى الله منتظرا توبتنا واعترافنا بخطايانا لكى يغفرها لنا من أجل اسمه القدوس ومحبته الفائقة ، مؤكدا لنا : " أنا هو الماحى ذنوبك لأجل نفسى وخطاياك لا أذكرها ، ذكرنى فنتحاكم معا . حِدث لكى تتبرر " إش 43 : 25 ، 26 .

يجب ألا نخجل من الأعتراف بالخطايا ، فإن آباءنا الأولين سبقوا أن أخطأوا ، فى مقدمتهم آدم الأول : " أبوك الأول أخطأ ووسطاؤك عصوا على " إش 43 : 27 .

أما ثمرة الخطايا والعصيان فهى " اللعنة " وفقدان الكرامة ، إذ قيل : " دفعت يعقوب إلى اللعن وإسرائيل إلى الشتائم " إش 43 : 28 .
+ + +


البولس .. 1 تس 4 : 1 – 18
تثبيت المؤمنين



إن كانت الضيقات التي عاشها أهل تسالونيكي مباشرة في بلدهم أو خلال الرسول بولس المتألم من أجل الله والخدمة قد زكتهم أمام الله والناس، وصارت شهادة حق، وسرّ كرازة للإيمان في كل مكان، وتمجد الرسول بسببهم، فإنه يركز أنظارهم إلى النمو أكثر فأكثر من أجل بنيان نفوسهم الروحي، حتى يتهيأوا خلال الحياة الفاضلة (المقدسة) في الرب خاصة الحب، للالتقاء مع العريس السماوي القادم. لهذا يحدثهم الرسول عن:

1. مفهوم الحياة الفاضلة ١ - ٣.

2. التخلي عن الزنا ٤ - ٨.

3. النمو في الحب ٩ - ١٦.

4. مجيء الرب الأخير ١٣ - ١٨.
١. مفهوم الحياة الفاضلة



"فمن ثم أيها الإخوة نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع،

كما تسلمتم منا، كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله تزدادون أكثر،

لأنكم تعلمون أية وصايا أعطيناكم بالرب يسوع،

لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" [١-٣].

يبرز الرسول في هذه العبارات المختصرة مفهوم الحياة الفاضلة، أو السلوك المسيحي المقدس، بمنظار مسيحي إنجيلي، يمكن أن نلخصه في النقاط التالية:

أولا: الحياة الفاضلة ليست أخلاقيات اجتماعية مجردة وسلوكًا أدبيًا يتدرب عليه الإنسان بقدراته الخاصة وجهاده الذاتي، وإنما أولاً وقبل كل شيء هي تفاعل حيّ مع الوصية الإلهية في المسيح يسوع. لهذا يقول الرسول: "نسألكم ونطلب إليكم في الرب يسوع"، أي نوصيكم فيه.

إن كان الرسول يوصيهم في الرب يسوع، وليس من عندياته، وإلا كانت وصايا بشرية قد تكون براقة وجميلة لكنها عاجزة عن العمل في أعماق القلب. وصية الرب "في الرب يسوع" هي كلمة الله التي يقول عنها الرسول في موضع آخر: "حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب ٤ :13).

لقد كشف الرسول عن دوره بكل وضوح بقوله: "إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (٢ كو ٥ :2). فنحن لا نتقبل الوصية، حتى وإن كانت من فم رسول إلاَّ بكونها وصية إلهية، يعلنها المسيح فينا، لكي يكون لها سلطان في داخلنا لتغيير حياتنا والدخول بنا إلى أعماق جديدة.

إن قول الرسول "في الرب يسوع"، إنما تعني أنه لا يتحدث معنا إلاَّ وهو مختفي في الرب يسوع، حيث يجد له في أحشائه موضع راحة وسلام فائق، متذوقًا الحب الإلهي فيه. من هذا الموضع الجديد يتحدث معنا لكي نُوجد نحن أيضًا "في الرب يسوع"، ويكون لنا معه ذات المصير المفرح. في المسيح يسوع ربنا يختفي الراعي كما الرعية، وفيه يوصي الكاهن أولاده، ويتقبل الأبناء الروحيون الوصية، وفيه يجاهد الكل، كما فيه يتكلل الكل. في اختصار نقول أن الحياة الفاضلة في جوهرها هي الدخول المستمر "في الرب يسوع" للتمتع بأعماق جديدة خلال عمله الدائم فينا بنعمته المجانية العاملة في قلوب المجاهدين.ثانيًا: إن كانت الحياة الفاضلة هي قبول الوصية الإلهية في المسيح يسوع ربنا لتعمل فينا، فإننا نتقبلها خلال التسليم Paradosis، إذ يقول الرسول: "كما تسلمتم منا كيف يجب أن تسلكوا وترضوا الله". فالسلوك المسيحي هو جزء لا يتجزأ من التسليم الرسولي. إنه مرتبط بالإيمان المسيحي أو إنجيل المسيح الذي تقبلته الكنيسة من السيد المسيح خلال تلاميذه كتسليمٍ حي يعيشه المؤمنون ويُسلم خلالهم عبر الأجيال. هكذا بالتسليم - في مفهومه الأصيل الروحي

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 3:28 pm

- نتقبل الإنجيل الحيّ، لا كأفكارٍ عقائديةٍ مجردة، وإنما بالحري حياة إيمانية عملية معاشة في القلب في الداخل، ومًعلنة خلال العبادة الجماعية والعائلية والشخصية، وفي السلوك العائلي ومع الإخوة والغرباء. إنها حياة تمس كيان الإنسان في كل لحظة من لحظات وجوده وترتبط بكل نسمة من نسمات حياته، تتفاعل مع أفكاره وأحاسيسه وكلماته وأعماله. هكذا يظهر الإنجيل خلال التسليم عقيدة وسلوكًا بغير انفصال.

ثالثًا: غاية الحياة الفاضلة هي: "يجب أن تسلكوا وترضوا الله". لم يكن ممكنًا إرضاء الله بعد أن فقد الإنسان صورة الله وتشوه المثال الذي له فيه. يتطلع الله إلى البشرية بعد سقوطها فلا يشتم فيها رائحة رضا بل يجد "الكل قد زاغوا معًا، فسدوا، ليس من يعمل صلاحًا ولا واحد" (مز ١٤: ٣). لكن إذ جاء كلمة الله متجسدًا، وحل بيننا، انفتحت السماوات لتسمع صوت الآب "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (مت ٣: ١٧؛ ١٧: ٥). سمعناه حين دخل السيد المسيح إلى مياه المعمودية في الأردن، وحين ارتفع بتلاميذه على جبل التجلي، ونحن إذ نقبل العضوية في جسده المقدس - في الأردن الجديد - إنما نتقبل رضا الآب وسروره، حيث يرانا متحدين في ابنه، موضوع سروره. وإذ يرتفع بنا الروح القدس على جبال الكتاب المقدس كما على جبل تابور ليتجلى مسيحنا فينا، ويعلن ملكوته في داخلنا ونسمع ذات الصوت من الآب الذي يفرح بثمرة روحه القدوس فينا.

إن كانت الحياة الفاضلة هي دخول "في المسيح يسوع"، فإننا فيه نجد رضا الآب وسروره، وخارجًا عنه لا يُمكن إرضاؤه. وكما يقول الرسول: "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب ١١: ٦). بمعنى آخر الحياة الفاضلة ليست سلوكًا اجتماعيًا مجردًا، فيه يلتزم الإنسان ألا يضر الغير بل يعينه ويسنده، وإنما هي أعمق من ذلك. هي دخول إلى الإتحاد مع الله في المسيح يسوع، لكي يستريح بنا وفينا بكوننا أعضاء جسد ابنه، مقدمًا لنا موضعًا في أحضانه الأبوية.

رابعًا: يقول الرسول: "تزدادون أكثر". بهذا المفهوم لا تقف الحياة الفاضلة الحقيقية عند حدود، إذ لا يستريح المؤمن حتى يبلغ إلى "قياس قامة ملء المسيح" (أف ٤: ٣)، يحمل سماته واضحة ونامية فيه بلا انقطاع، حيث يتجلى السيد نفسه فيه من يومٍ إلى يوم، ليدخل به إلى عظمة بهائه.

إن كنا "في المسيح يسوع" ندخل إلى رضا الآب، فإننا في المسيح يسوع أيضًا ينبغي أن نجاهد بغير انقطاع لكي ننعم بالنمو فيه، ونزداد بالأكثر من جهة رضا الآب. لقد أدرك الرسول أنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لكنه ليس خلال التراخي أو الكسل، وإنما خلال الجهاد الذي لا ينقطع كجندي روحي، إذ يقول: "ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضى من جنده" (٢ تي ٢: ٤). إنه يجاهد لكي بعدما صار في الروح لا يعود بعد إلى الحياة في الجسد، لأن "الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله" (رو ٨: ٨). وفي جهاده غير المنقطع لا يطلب مديح الناس بل رضا الله، كقوله: "أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" (غل ١: ١٠). من أجل إرضاء الآب يتنازل ليس فقط عما هو شرير من شهوات الجسد وطلب مديح الناس وإنما يتنازل حتى عن حقوقه الشرعية، حتى يبلغ كمال الرضا، وذلك كأن يحيا في البتولية ليس تدنيسًا للحياة الزوجية، وإنما للتفرغ ما استطاع للجهاد الروحي، إذ يقول: "غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب" (١ كو ٧: ٣٢).

خامسًا: لخص الرسول الحياة الفاضلة المرضية لدى الآب في العبارة: "لأن هذه هي إرادة الله قداستكم" [3]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [لاحظ كيف أنه لا يتطلع إلى أي موضع بحماسٍ كهذا. فإنه يكتب عنه في موضع آخر: "اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب ١٢: ١٤). لماذا نتعجب إن كان يكتب لتلاميذه عن هذا الأمر في كل موضع، ففي رسالته إلى تيموثاوس يقول: "احفظ نفسك طاهرًا" (1 تي ٥: 22)، وفي رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس يقول: "في صبر كثير، في أصوام، في طهارة" (٢ كو ٦ : ٥-٦).]

ماذا يعني الرسول بالقداسة التي يريدها الله فينا؟ إنها اعتزال ما قد دخل إلى طبيعتنا كأمرٍ غريبٍ، وقبول ما هو لله. بمعنى أن القداسة إنما تحمل عمليتين متلازمتين ومتكاملتين: تفريغ وامتلاء، تفريغ عن الشر الذي تسرب إلى طبيعتنا خلال اعتزالنا الله، وامتلاء من الله نفسه القدوس كسرّ حياتنا. فإن كان الله هو القدوس، فإن حياتنا الفاضلة هي أن تتحقق إرادته المقدسة فينا، فنحمل قداسته داخلنا، ونكون قديسين فيه.

إذ ندخل بالروح القدس إلى المسيح نفسه، فإن الروح يأخذ مما للمسيح ويخبرنا (يو ١٦: ١٤)، ليس بالكلام فقط، وإنما يخبرنا عمليًا، فيحول فكرنا إلى فكر المسيح، وتصير إرادتنا إنما هي إرادة المسيح، وتصير أعضاؤنا أعضاءه، وآلامنا آلامه الخ. وكأن القداسة إنما هي تجلي المسيح القدوس في حياتنا الداخلية وسلوكنا الظاهر!
٢. التخلي عن الزنا



إذ يتحدث الرسول عن الحياة الفاضلة في الرب، يتعرض للجانبين السلبي والإيجابي، فإنه لا تمتع للتقديس بدون التفريغ عن النجاسة، ولا يمكن أن يكون موضع لله داخل القلب مع بقاء الشر فيه. الحياة الفاضلة عملية ديناميكية مستمرة، خلالها يأخذ الإنسان ويفرغ، وينعم بلذة الحياة مع الله مع رفض لذة الخطية، يقبل الفكر الإلهي متخليًا عن الأفكار الشيطانية.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:[تنقسم الفضيلة إلى أمرين: ترك الشر وصنع الخير. فإن التخلي عن الشر لا يكفي لبلوغ الفضيلة، إنما يُحسب هذا مجرد ممر وبداية تقود إلى ما بعدها، فإننا في حاجة إلى نشاطٍ عظيمٍ.]

هنا يتحدث الرسول عن الجانب السلبي للحياة الفاضلة، وهو التخلي عن كل شرٍ خاصة الزنا بكل أبعاده، أي بالفكر والنظر والعمل، مقدمًا مفهومًا حيًا لتركه يمكن توضيحه في النقاط التالية:

أولا: إن كان الزنا بكل صوره من أبشع الخطايا، فإن الرسول وهو يتحدث عن التخلي عنه يتحدث عن الجانب الإيجابي أي اقتناء القداسة. وكأن التخلي لا يمكن أن يتم منفردًا دون الأخذ. إنه يقول: "أن تمتنعوا عن الزنا، أن يعرف كل واحد منكم أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله" [٣-٥].

فالأممي لا يقدر أن يترك هوى الشهوة، لأنه لا يعرف الله، أي لا يعرف اقتناء الله والاتحاد معه. إن عرفه إنما خلال معرفة الفكر النظري والفلسفة الذهنية، لذا يبقى في فراغه لا يقدر أن يتخلى عن الشهوات والملذات لعلها تقدر أن تشبع حياته. أما المؤمن الحقيقي فإنه يستطيع الامتناع عن الزنا، بل ويستنكف منه ولا يطيقه، لأن في الامتناع عنه لا يشعر بحرمان أو فراغ، إنما يقتني إناءه الذي هو جسده بقداسة وكرامة، يشعر بفيض إلهي ينبع داخله ويرويه ويفيض! خلال الإتحاد مع الله في ابنه القدوس لا يشعر المؤمن بعطش إلى ملذات زمنية، فإن ما يناله أفضل مما يتركه!

خلال هذه الحياة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسوع يجاهد المؤمن ممتنعًا عن الزنا كأمر لا يليق بالطبيعة الجديدة التي تمتع بها في المعمودية، متطلعًا إلى جسده كإناء مقدس وآلة برّ لله.

يمكننا أيضًا النظر إلى "الإناء" بمعنى الزوجة أو الزوج، فإن المسيحي يتطلع إلى الطرف الثاني في حياته الزوجية بكونه "إناءه"، يدخل في قلبه ويستقر بالحب خلال الوحدة الذي يقدمها لهما الروح القدس. في استقرار كل منهما في قلب الآخر لا يمكن لأحدهما أن ينطلق إلى موضع آخر. إنه يكون كحمامة نوح لا تستريح إلاَّ في يديه، وليس كالغراب الذي يمكنه أن يستقر على الجثث والجيف.

ويرى القديس أغسطينوس أن الحديث هنا يخص العلاقة الزوجية، فكل طرف يتطلع إلى الآخر بنظرة مقدسة، كإناءٍ مقدسٍ، فلا تقوم العلاقة بينهما على أساس شهوة الجسد بل الحب، فينجبان الأطفال كثمرة الحب والوحدة لا ثمرة شهوات الجسد التي بلا ضابط.

والقديس أمبروسيوس تفسير رمزي للإناء المقدس، إذ يرى في الكاهن أو الخادم الذي ينطق بكلمات الكرازة في رياء، أي يعظ ولا يعمل كمن يفسد قلوب الآخرين عوض أن يقتنيها آنية مقدسة للرب، فتحسب كآنية للهلاك بدلاً من أن يقتنوهم آنية للكرامة!

ثانيًا: يرى الرسول بولس في الزنا تعدي على الإخوة، إذ يقول: "أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر" [٦].

من يتطلع إلى آخر بنظرة شهوانية يطمع في جسده لحساب شهوته الخاصة. فالحب في جوهره بذل وعطاء وتكريم، أما الشهوة فأخذ واغتصاب وامتهان للغير. الحب انفتاح القلب للعطاء بلا تمييز للجنس أو الشكل، به يحترم الإنسان الطرف الآخر في إنسانيته، ويقدر فكره ومواعيده وحياته. فالمرأة المحبوبة لدى رجلها هي التي تجد في قلبه كما في نظراته حبًا خالصًا لا لإشباع شهوات جسده، وإنما خلال العطاء والبذل والتقدير يهتم بشخصها وفكرها ومواهبها. إنه يتعامل معها خلال إنسانيتها ككل، وليس خلال الجسد منعزلاً، وبهذا تكون العلاقة الجسدية ثمرة محبة صادقة سامية.يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مثالاً حيًا للتمييز بين الحب والشهوة، فبحسب فكرنا البشري أو تعبيرنا الدارج يقال عن امرأة فوطيفار أنها أحبت يوسف، لكن في الحقيقة لم تحبه بل أرادت أن تشبع شهوتها الخاصة، والدليل

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 3:29 pm

على ذلك أنه إذ رفض طلبها سلمته للسجن ظلمًا، وعرضت حياته للخطر. أما يوسف فكان بالحق يحبها، فإنه وإن كان قد امتنع عن الالتصاق بها في الشر، لكنه في رقةٍ قدم لها إرشادًا كافيًا لإخماد لهيب شهوتها، فذّكرها بزوجها حتى يخجلها، ولم يقل "زوجك" بل "سيدي" لكي يوقظ ضميرها وتعرف مركزها أنها سيدته. وكأنه في لطف يعاتبها: عار عليكِ أن تطلبي الشر مع عبدٍ لكِ، تأملي زوجة من أنتِ؟ وبالرغم من لطفه الشديد وعتابه معها زجت به في السجن، وحينما نال كرامة في عيني فرعون وصار الرجل الثاني بعده لم ينتقم لنفسه منها.

إذن، الزنا هو طمع للغير وليس حبًا، هو انغلاق النفس من أجل إشباع الإنسان هواه الخاص!

ويقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم تفسيرًا آخر لكلمات الرسول: "أن لا يتطاول أحد ويطمع في هذا الأمر" بقوله: [لقد رسم الله للإنسان زوجة، واضعًا قيودًا طبيعية، فلا يتصل أحد إلاَّ بواحدة فقط. فمن يتصل بأخرى يكون قد تطاول وأخذ أكثر مما له، إنه بهذا يتصرف بلصوصية، بل وأقصى من اللصوصية، لأننا لا نحزن أن سلب مالنا مثلما إذا انتهك زواجنا. أندعوه أخًا ونخطيء إليه في أمور دنسة (باغتصاب زوجته)!]

ثالثًا: الدعوة للقداسة والامتناع عن الزنا دعوة إلهية وليست اجتماعية، إذ يقول: "لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة" [٧]. وكأن السلوك بالقداسة هو تحقيق لإرادة الله فينا، والزنا تعدي على الله نفسه قبل أن يكون تعدي على أجسادنا وتطاول على إخوتنا. لذلك يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه بنفسه قد دعاك، وها أنت تهين من دعاك.]

لا يقدر الزاني أن يحتج بأن ما يرتكبه إنمًا برضا الطرف الآخر، ليس فيه اغتصاب أصاب أحدًا بضررٍ. فإن هذه الجريمة موجهة ضد الله القدوس نفسه الذي يهب روحه القدوس لتقديس الإنسان. من يرتكب الزنا يهين الروح الساكن فيه وفي أخيه. إذ يقول الرسول: "وإنما من يرذل لا يرذل إنسانًا، بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس" [٨]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [يقول الرسول إن كنت تدنس إمبراطورة أو جارية لك متزوجة فإن الجريمة واحدة، لماذا؟ لأن الله ينتقم لا عن الأشخاص الذين أصابهم الضرر وإنما ينتقم لنفسه.]

لم يبخل الله علينا بشيء حتى وهبنا روحه القدوس - في سرّ الميرون ليعمل فينا، مقدسًا إيانا، ومهيئًا حياتنا للمملكة السماوية، فنُحسب ملوكًا خلال إتحادنا مع الله في المسيح ملك الملوك (رؤ ٧: ١٤)، وقديسين بثبوتنا في قدوس القديسين، لهذا إن كل خطية نرتكبها وإن ظننا أنها لا تسيء إلى أحدٍ، فهي تهين ذاك الذي رفعنا إلى هذه الكرامة لنكون قديسين وملوكًا. فالملك الذي يلبس الأرجوان ويحمل تاجًا على رأسه ويمسك صولجانًا إن ارتكب حماقة يهين كرامة المركز الذي وُجد فيه!
٣. النمو في الحب



أ. يقول الرسول: "وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها" ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [ينطق الرسول بهذا من قبل حكمته العظيمة وتعاليمه الروحية، فإنه بهذا أظهر أمرين: أولاً: أن الأمر ضروري جدًا حتى أنه لا حاجة للتعليم عنه، فإن الأمور الهامة جدًا واضحة أمام الجميع. وثانيًا: بقوله هذا يجعلهم أكثر خجلاً مما لو قدم لهم نصيحة. فإنه إذ يحسبهم أنهم سالكون باستقامة بهذا يقودهم إلى الاستقامة أكثر مما لو قدم لهم النصيحة، حتى وإن كانوا هم ليسوا كما يظن هو.]

ب. ربما بقوله هذا أراد أن يكشف لهم أنهم بالفعل يمارسون الحب، فلا حاجة لهم أن يكتب إليهم عنه. وإنما إن كتب يطلب نموهم بالأكثر في محبتهم التي يعيشونها. بهذا يشجعهم الرسول حتى لا يشعروا بصغر نفس، بل يدفعهم إلى النمو في الحب دون توقف عند حدود معينة. هذا هو منهج الرسول بولس في كل كتاباته، إنه يشجع النفوس ويبعث الرجاء في كل نفس، حتى إن وبخ أو انتهر. فهو يدرك حاجة الإنسان إلى الكلمات التي تسنده، لا التي تحطمه! هذا ومن جانب آخر فإن كل مسيحي دخل إلى العضوية في الكنيسة أي في جسد السيد المسيح إنما نال عطية الحب المجانية لكي يصير خلال جهاده الروحي بالروح القدس الساكن فيه. لذلك يقول الرسول: "لأنكم أنفسكم متعلمون من الله يحب بعضكم بعضًا" [9]. إننا متعلمون ليس فقط خلال الوصايا الإلهية الخاصة بالحب، ولا خلال الامتثال بالله محب البشر، وإنما بالأكثر خلال عمله فينا، إذ يعطينا طبيعة الحب عاملة فينا.

ج. قدم لنا الرسول مثلاً عمليًا للمحبة الأخوية، ألا وهو الجهاد في العمل لمساعدة الآخرين عوض أن نطلب مساعدتهم لنا، إذ يقول:

"أن تحرصوا على أن تكونوا هادئين،

وتمارسوا أموركم الخاصة،

وتشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم،

لكي تسلكوا بلياقة عند الذين هم خارج،

ولا تكون لكم حاجة إلى أحد" [١١-١٢].

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات بقوله: [يظهر الرسول كم من الشرور تسببها البطالة، وكم من المنافع يحققها العمل، فالعمل هو علامة الحب للإخوة، به لا نأخذ منهم وإنما نساعدهم... إذ قيل: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع ٢٠: ٣٥).]

اهتم آباء الكنيسة الأولون بالحديث عن "عمل اليدين" ليس فقط بكونه تعبيرًا عن المحبة الأخوية حيث يعمل الإنسان ليسند المحتاجين ولا يثقل على أحد، وإنما أيضًا كجزء لا يتجزأ من الحياة الروحية. فقد قدَّس الله العمل البشري فصار مرتبطًا بالعبادة يشتمه الله رائحة رضا وعلامة حب لله خلال أمانة المؤمن في عمله كما في عبادته. ومن جانب آخر فإن العمل يسند النفس والفكر في الحياة مع الله. نذكر على سبيل المثال ما قاله القديس يوحنا كاسيان في حديثه عن الضجر بالنسبة للرهبان معلقًا على كلمات الرسول التي بين أيدينا هكذا: [يقول الرسول: "أن تحرصوا أن تكونوا هادئين"، بمعنى أن تقيموا في قلايتكم ولا ترتبكوا بالشائعات التي تنبعث عادة عن الكسالى وعن ثرثرتهم، فيقلقون ويسببون للآخرين قلقًا]. وكأن البطالة تسبب فراغًا في النفس كما في الفكر فيرتبك الإنسان بأمور تافهة، ويفقد سلامه لسبب أو لآخر، بل ويدفع الآخرين إلى فقد سلامهم معه، له فالعمل نافع لهدوئنا الداخلي وهدوء الآخرين.

يفسر القديس يوحنا كاسيان كلمات الرسول "تمارسوا أموركم الخاصة" هكذا: [لا تكونوا فضوليين تستطلعون شئون الغير أو تفحصون حياتهم، فتبددون طاقتكم لا في نمو حياتكم والتمتع بالفضيلة وإنما في الانتقاص من قدر إخوتكم]. فالإنسان العاطل يحاول أن يملأ فراغ قلبه الداخلي لا بالاهتمام فيما يبني نفسه، أي بأموره الخاصة، وإنما يشغل ذهنه بتصرفات الغير لإدانتهم في الفكر إن لم يكن بالكلام أيضًا، والتحقير من شأن الآخرين.

يؤكد الرسول "وتشتغلوا كما أوصيناكم"، وكأنه سبق فأوصاهم بالعمل في الفترة الوجيزة التي كرز فيها الرسول بينهم حتى لا يسبب لهم الفراغ قلقًا أو يسحب قلبهم إلى تصرفات الغير خلال حب الاستطلاع وإدانتهم. هذه العبارة تكشف عن جانب هام في كرازة الرسول بولس، إنه وهو يتحدث عن إنجيل المسيح كعصب الإيمان المسيحي وسر حياة المؤمنين، إذا به يوصي بالأمور العملية في دقةٍ وتفصيلٍ، حيث يوجههم هنا للعمل اليدوي كجزء لا يتجزأ من بنيان حياتهم الروحية... إنه يكرز بالإنجيل غير منفصل عن الحياة اليومية، فالإيمان يمس حياتنا الروحية كما يمس حياتنا النفسية والاجتماعية والجسدية، بكونها جميعًا تمثل حياة واحدة لا تتجزأ، تمتعنا بالحياة الجديدة في المسيح يسوع يقدس أرواحنا وأجسادنا، وكل ما في داخلنا وكل تصرف ظاهر حتى أعمالنا اليومية بل وأكلنا وشربنا، ونومنا ويقظتنا وتسليتنا الخ.

هذه النظرة المتكاملة للإنسان تنزع عنا كل دهشة بخصوص اهتمام سليمان الحكيم بالحديث عن تدبير كل حياة الإنسان خاصة العمل وتجنب الكسل والفراغ في أكثر من موضع. فمن كلماته: "كل كسول سيكتسي بالخرق والثياب البالية" (أم 23: ٢١ الترجمة السبعينية). ويعلق القديس يوحنا كاسيان على هذه العبارة، قائلاً: [من المؤكد أن الكسول لا يستحق أن يتزين بالحلة التي لن تبلى ولن تفسد، التي يتحدث عنها الرسول: "البسوا الرب يسوع المسيح" (رو ١٣: ١٤) وأيضًا: "لابسين درع الإيمان والمحبة" (١تس 5: ٨)، والتي تكلم عنها الرب نفسه بلسان النبي موجهًا الحديث لأورشليم: "استيقظي، البسي عزك يا صهيون" (إش ٥٢ : ١). فمن يستبد به نوم التراخي أو الضجر يستحسن لا أن يكتسي بعمله وكده بل بخرق الكسل]. طريق الكسول مملوءة أشواكًا وحقله الداخلي، أي قلبه، لا يخرج إلاَّ شوكًا وحسكًا، إذ يقول الحكيم: "عبرت بحقل الكسلان وبكرم الرجل الناقص الفهم، فإذا هو قد علاه كله القريص وقد غطى العوسج وجهه وجدار حجارته انهدم" (أم ٢٤ : ٣٠). أما النفس العاملة بحكمة فلا يكون في داخلها أشواك بل ثمار الروح القدس المفرحة، ولا تكتسي بالخرق البالية بل ببهاء المسيح نفسه. عن هذه النفس التي يفرح بها السيد كعروس مقدسة له يقول الحكيم: "امرأة فاضلة من يجدها لأن ثمنها يفوق اللآلىء... تطلب صوفًا وكتانًا وتشتغل بيدين راضيتين. هي كسفن التاجر، تجلب طعامها من بعيد، وتقوم إذ الليل بعد. وتعطي أكلاً لأهل بيتها وفريضة لفتياتها. تتأمل حقلاً فتأخذه، وبثمر

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 3:29 pm

يديها تغرس كرمًا. تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها" (أم ٣١: ١٠- ١٧). إنها النفس التي لا تكف عن العمل نهارًا وليلاً، فتشبع قلب المسيح عريسها بثمر روحه، وتقدم طعام الحب لإخوتها، تعيش بروح القوة، بذراع متشددة.

فالعمل التزام إيماني مقدس، يلتزم به كل مسيحي حتى وإن كان في غير عوز. ولا يعفى من هذا الالتزام حتى الرهبان المتوحدين، إذ يقول القديس باسيليوس الكبير في حديثه عن كمال حياة المتوحدين: [يليق بالمسيحي ألا يكون بلا ترتيب. من يقدر على العمل يلزمه ألا يأكل خبز الكسل، ومن ينشغل بالعمل فليفعل هذا حسنا لمجد المسيح.]
٤. مجيء الرب الأخير



بعدما حدثهم عن الثبوت في الحياة الفاضلة في الرب، وجه أنظارهم إلى القيامة من الأموات ومجيء الرب الأخير ليبعث فيهم روح الرجاء في جهادهم الروحي ولتثبيتهم إلى النهاية أثناء الضيق. وقد أوضح الرسول النقاط التالية:

أولاً: صار الموت خلال إيماننا بالسيد المسيح رقادًا، إذ يقول: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" [١٣].

وكما يقول الأب افراهات: [الخاطيء وهو حي ميت لله، أما البار فإنه وهو ميت حي لله. مثل هذا الموت يحسب رقادًا، وكما يقول داود: "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت" (مز 3: 5). ويقول إشعياء: "استيقظوا يا سكان التراب" (٢٦: ١٩). ويقول الرب عن ابنة رئيس المجمع: "الصبية لم تمت ولكنها نائمة" (مت ٩: ٢٤). وعن لعازر يقول لتلاميذه: "لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه"(يو ١١: ١١).]

إنه يدعو الأموات بالراقدين، لأن نفوسهم قد تمتعت بالقيامة من الأموات خلال دفنهم مع السيد المسيح في المعمودية، فلا سلطان للموت عليها. إنها في حالة رقادٍ أو نومٍ مؤقت إلى يوم الرب العظيم، حيث تستيقظ أجسادهم لتتمتع بالمجد. فتشارك النفس إكليلها ويحيا الإنسان في أمجاد الحياة الأبدية. إن كان الموت راحة ورقادًا، فإن القيامة هي الحياة. لذلك يقول القديس أمبروسيوس: [الراحة حسنة، لكن الحياة أفضل، لهذا يسأل الرسول القيامة لمن هو في راحة ليكون في الحياة، قائلاً: "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف 5: ١٤).]

ثانياً: ما دام الموت رقادًا فإنه يليق بنا ألا نحزن بلا رجاء من جهة الراقدين كمن هم بلا إيمان. لقد بكى السيد المسيح عندما خرت مريم عند قدميه قائلة: "يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي" (يو ١١: 3٢)، حتى "قال اليهود: أنظروا كيف كان يحبه". لقد قدس السيد ببكائه مشاعرنا البشرية، فنشارك المتألمين آلامهم، ونشعر بالشوق نحو أحبائنا الراقدين، لكن في رجاء حيّ أننا نلتقي معهم.

يقول القديس أمبروسيوس: [ليس كل بكاء ينبع عن عدم إيمان أو ضعف. فالحزن الطبيعي شيء، وحزن عدم الثقة شيء آخر. هناك فارق كبير بين الاشتياق إلى ما فقدناه والنحيب (بيأس) على ما فقدناه. هذا ويلاحظ أنه ليس الحزن فقط يسبب دموعًا وإنما للفرح أيضًا دموعه.] وكتب القديس باسيليوس الكبير إلى كنيسة بارنوسيوس شمال كبادوكية مؤكدًا لهم أن الرسول لم ينزع عنا بكلماته هذه مشاعرنا نحو الراقدين، إنما يحذرنا من الاستسلام للحزن، إذ يقول: [لست أعني بهذا أننا نكون بلا إحساس نحو الخسارة التي لحقت بنا وإنما ألا نستسلم لحزننا.]

أما سرّ عدم استسلامنا للحزن فهو رجاؤنا الذي يتخطى حدود هذه الحياة الزمنية ليرى المؤمن الأبدية معلنة في داخله وكما يقول القديس باسيليوس الكبير: [لو حُصر رجاء المسيحيين في حدود هذه الحياة لكان نصيبنا مرًا بحقٍ، إذ يحصر في الجسد قبل الأوان (أوان الأبدية)، أما إن كانت لهم محبة الله وتعتزل نفوسهم قيود الجسد، فإنهم يحسبون ذلك بداية الحياة الحقيقية، فلماذا تحزن كمن لا رجاء لهم؟ إذن فلتسترح ولا تسقط تحت متاعبك وإنما لتظهر نفسك أسمى من المتاعب ومترفع فوقها].

ثالثا: يقول الرسول: "لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضًا معه" [١٤].

يسمي الرسول الأموات بالراقدين بيسوع، أي أنهم يحملون السيد في داخلهم، لهذا لا يقوى الموت عليهم. في داخلهم "القيامة" (يو ١١: ٢٥) ذاته وإن ماتوا حسب الجسد لكنهم يقومون بالمسيح الساكن فيهم، القيامة ليست بغريبةٍ عنهم ولا بعيدة وإنما في داخلهم، عاملة في أجسادهم كما في نفوسهم.

يقول القديس كبريانوس: [يقول الرسول (عن غير المؤمنين) أنهم يحزنون على رحيل أصدقائهم بلا رجاء، أما نحن فنعيش في رجاء، ونؤمن بالله ونثق أننا نسكن في المسيح الذي تألم عنا وقام، ونقوم به وفيه، فلماذا لا نريد الرحيل من هذه الحياة، بل ننتحب ونحزن على أصدقائنا عند رحيلهم كما لو كانوا مفقودين، بينما السيد المسيح نفسه ربنا وإلهنا يشجعنا قائلاً: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يو ١١: ٢٥). إن كنا نؤمن بالمسيح فلنؤمن بكلماته ومواعيده أننا لن نموت إلى الأبد. لنأتِ إليه بثقة أكيدة وفرح هذا الذي به نغلب ونملك إلى الأبد.]

رابعًا: يعلن الرسول عن قيامة الراقدين ومجدهم قائلاً: "سيحضرهم الله أيضًا معه" [١٤].

هذا هو سرّ مجدهم وكرامتهم أنهم سيكونون معه، وهو يكون معهم وفي وسطهم. لقد سمع القديس يوحنا الحبيب صوتًا من السماء يصف الحياة الأبدية، قائلاً: "هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ ٢١ : ٣). وفي حديث يوجهه القديس يوحنا الذهبي الفم لمن مات ابنه، يقول: [حينما تطلب ابنك، ابحث عنه حيث يوجد الملك، وحيث يوجد جيش الملائكة. لا تطلبه في القبر على الأرض، لئلا بينما يكون هو مرتفعًا في الأعالي تبقى أنت زاحفًا على الأرض.]

خامسًا: يتحدث الرسول عن لقاء الراقدين والأحياء، قائلاً: "فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب، أننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين، لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء، والأموات في المسيح سيقومون أولاً. ثم نحن الأحباء الباقين سنُخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الرب. لذلك عزوا بعضكم بعضًا بهذا الكلام" [١٥- ١٨].

لقد أراد الرسول أن يظهر بأن القيامة ليست بالأمر الصعب على الله، فإن الذي يختطف الأحياء لملاقاته في السحب يستطيع أيضًا أن يقيم الأموات ليكون لهم ذات النصيب.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أن قول الرسول: "نحن الأحياء الباقين" لا يقصد بها الرسول نفسه والجيل المعاصر له، وإنما قصد المؤمنين الذين يبقون حتى يوم مجيئه. أما قوله "نحن" فعلامة الوحدة في الكنيسة، ما يتحقق مع أولاده الذين يكونون أحياء في ذلك الحين يحسبه الرسول كأنه يتحقق معه.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان (السيد) نازلاً، فلماذا نختطف نحن إلى فوق (في السحب)؟ من أجل الكرامة! فإنه عندما يدخل ملك مدينة ما يخرج إليه أصحاب الكرامة لملاقاته، أما المدانون فيبقون في الداخل ينتظرون القاضي. عند مجيء أب حنون يأخذ أولاده الحقيقيين ومن هم مستحقون أن يكونوا كأولاد في مركبة ليخرجوا وينظروه ويقبلونه، أما الخدم المخطئون فييبقون في الداخل، هكذا نُحمل نحن في مركبة أبينا (السحب): فقد أُخد هو في السحابة (أع ١: ٩) ونحن أيضًا نختطف في السحب. أنظروا أية كرامة هذه! إنه ينزل إلينا فنصعد نحن لملاقاته! ما أعظمها غبطة أن نكون نحن معه!]

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن اختطاف المؤمنين على السحاب لكي يلتقوا بالسيد القادم إليهم ويكونوا معه إلى الأبد، إنما هو علامة التغيير الذي يتم في أجسادنا، فتتحول من الفساد الذي كان يمثل ثقلاً يجتذبها إلى الأرض إلى عدم الفساد، فترتفع خفيفة منطلقة إلى السحب لملاقاة الرب. إنه يقول: [عندما يُسمع بوق القيامة الذي ييقظ الأموات، ويحول الذين هم أحياء إلى شكل الذين تمتعوا بالتغيير الخاص بالقيامة أي إلى عدم الفساد، فلا يعود يكون وزن الجسد ثقيلاً ينزل بهم إلى الأرض، إنما يرتفعون إلى أعلى في الهواء كقول الرسول].

وفي موضع آخر يقول: [ما حدث لناسوت المسيح إنما هو منحة عامة مقدمة للبشرية كلها. فإننا إذ نرى فيه ثقل الجسد الذي بحسب الطبيعة ينجذب نحو الأرض، قد صعد في السماوات خلال الهواء نؤمن بكلمات الرسول أننا نحن أيضًا نُختطف في السحب لملاقاة الرب في الهواء.]

وللقديس أغسطينوس فكر مشابه، إذ يقول: [إننا سنكون ليس بلا أجساد عندما نُوجد مع الرب على الدوام، لكن إذ تكون الأجساد غير قابلة للفساد فإنها لا تثقل على نفوسنا. إن تطلعنا بدقة فإننا نجد نفوسنا لا تلتصق بالأجساد بل الأجساد تلتصق بنفوسنا ونحن (نفوسنا) نلتصق بالله.]
+ + +




إنجيل القداس .. لوقا 13 : 1 – 5

1 و كان حاضرا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم
2 فاجاب يسوع و قال لهم اتظنون ان هؤلاء الجليليين كانوا خطاة اكثر من كل الجليليين لانهم كابدوا مثل هذا
3 كلا اقول لكم بل ان لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون
4 او اولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام و قتلهم اتظنون ان هؤلاء كانوا مذنبين اكثر من جميع الناس الساكنين في اورشليم
5 كلا اقول لكم بل ان لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 3:30 pm

يريدنا الصالح خلال شركة الألم معه إلى قوَّة قيامته. الآن يكشف لنا عن باب حظيرته التي أقامها لنا لنحيا تحت ظلاله، ألا وهو "التوبة العاملة". هذا هو الباب الذي به ندخل إلى ملكوته، لتحيا كل نفس تحت رعايته، تتمتع بأعماله الإلهيَّة في سلوكها وعبادتها.
دعوة للتوبة



جاء السيِّد المسيح يطلب صداقتنا مقدَّما حياته ثمنًا لهذه الصداقة مبادرًا بالحب، لكننا لا نستطيع أن نلتقي معه ونقبل حبه فينا بطريق آخر غير التوبة. هذا ما يؤكده السيِّد نفسه، قائلاً: "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" [3، 5]؛ وذلك عندما أخبره قوم عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم. إذ "أجاب يسوع وقال لهم: أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليليين لأنهم كابدوا مثل هذا؟ كلا، أقول لكم، بل أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" [2-3].

من هم هؤلاء الجليليون؟ لم يقدَّم لنا القدِّيس كيرلس الكبير ولا القدِّيس أمبروسيوس تعليقًا على هذا الجزء من الأصحاح، ولكن في نص نُسب للقدِّيس كيرلس الكبير ورد في الـ Catena Aurea قيل أن هؤلاء الجليليين هم أتباع أفكار يهوذا الجليلي الذي يشير إليه معلمنا لوقا في سفر أعمال الرسل (5: 27). هذا الذي نادى بأنه يجب ألا يُدعى أي إنسان سيدًا، وقد التف حوله جمهور كبير رفضوا دعوة قيصر سيدًا لهم، لهذا عاقبهم بيلاطس. هؤلاء نادوا أيضًا بعدم تقديم أية ذبيحة لله لم ترد في الشريعة الموسويَّة، مانعين الشعب عن تقديم ذبائح لله من أجل سلام الإمبراطور والدولة الرومانية، الأمر الذي أثار بيلاطس، فطلب قتلهم وهم يقدَّمون ذبائحهم في الهيكل حسب الشريعة. فاختلط دمهم بذبائحهم التي قدَّموها. وجاء في نفس النص أنه وُجد اعتقاد بأن هؤلاء الجليليين قد عوقبوا بعدل لأنهم بذروا فتنة بين الشعب، وأثاروا على الثورة ضد الحكام. فأراد القوم الذين عرضوا هذه القضية أن يعرفوا رأي السيِّد المسيح فيهم.

ويرى بعض الدارسين أن السيِّد المسيح إذ تحدَّث عن الاتفاق مع الخصم حتى لا يسلمه للقاضي فيعاني من السجن حتى يوفي الفلس الأخير، أراد هؤلاء القوم أن يشكو لملك اليهود المنتظر استبداد المستعمر الروماني للشعب اليهودي، أو ربَّما أرادوا أن يعرضوا عليه "مشكلة الألم"، التي لم يجد لها اليهود حلاً عبر العصور.

ربما كان اليهود ينتظرون في السيِّد المسيح أن يثور على بيلاطس البنطي الذي انتهك حرمه الهيكل، فأرسل جنوده لمطاردة هؤلاء الجليليين الذين دخلوا بذبائحهم إلى الهيكل، وأرادوا أن يمسكوا بقرون المذبح، فلم يكف الجنود عن مطاردتهم حتى قتلوهم، وهم يقدَّمون ذبائحهم. ويرى بعض المؤرخين أن ما فعله بيلاطس بهم كان علَّة العداء بينه وبين هيردوس (لو 23: 12) لأنهم كانوا من رعاياه، ويرى البعض أن بارباس قُبض عليه بسبب هذه الفتنة (لو 23: 19).

على أي الأحوال استغل السيِّد المسيح هذا الخبر، لا ليتحدَّث عن الأحداث الخارجية، وإنما ليدخل بنفوس سامعيه إلى حياة التوبة حتى يتمتعوا بالطمأنينة لا خوفًا من بيلاطس، وإنما من الخطيَّة التي هي علَّة الهلاك. وقد جاءت إجابته تكشف الآتي:

أولاً: أظهر أن البلايا الخارجيَّة والضيقات ليست بالضرورة علَّة خطايا خاصة. فقتل هؤلاء الرجال لا يعني بالضرورة أنهم أكثر شرًا من غيرهم من الجليليين، إذ يقول: "أتظنون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من كل الجليلين لأنهم كابدوا مثل هذا؟ كلا!" [2]. إذ كان يسود اليهود الإحساسبأنكلضيقة يجتازها إنسان إنما هي علامة غضب الله عليه.

ثانيًا: إن كان الله يسمح بالضيقة أحيانًا إنما لأجل التوبة، ليس فقط توبة الساقطين تحت الألم ولكن توبة الغير أيضًا، إذ يكمل السيِّد المسيح حديثه: "بل إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون" [3]. فإن كان هؤلاء قد ماتوا، وقد اختلطت دماؤهم بذبائحهم وهم في هذا ليسوا بالضرورة أشر ممن لم يُقتلوا فليكن في قتلهم فرصة لمراجعة كل إنسان نفسه للتوبة حتى لا يهلك أبديًا.

+ يعاقب الله الخطاة بقطع شرورهم (مثل قتلهم) ليصير عقابهم أخف، أو ربَّما لكي لا يسقطوا تحت عقوبة فيما بعد نهائيًا، وفي نفس الوقت إذ يرى الأحياء السالكون في الشر ذلك، يتعظون ويصححون وضعهم.

مرة أخرى لا يعاقب الله آخرين حتى إذا ما راجعوا أنفسهم بالتوبة يهربون من العقوبة الزمنيَّة والمقبلة، أما أن استمروا في خطيتهم فيسقطون تحت عقاب أشد...

هنا يظهر أنه قد سمح لهم باحتمال هذه الآلام حتى يفزع وارثو الملكوت من هذه المخاطر وهم أحياء (فيتوبون).

ربما تقول: أيُعاقب إنسان لكي يُصلح حالي أنا؟ بلى، أنه يعاقب من أجل جرائمه، وهذا يهب فرصة لخلاص ناظريه.
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


يكمل السيِّد المسيح حديثه، قائلاً: "أو أولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم، أتظنون أن هؤلاء كانوا مذنبين أكثر من جميع الساكنين في أورشليم؟ كلا، أقول لكم، بل أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" [4-5].

هم قدَّموا حادثة الجليليين التي ارتكبها جنود بيلاطس بنطس لبعض الجليليين، إنما يشير إلى حرب الشيطان ضد البشريَّة حتى في لحظات العبادة وهم في المقادس يقدَّمون ذبائحهم. "بيلاطس" يعني "فم من له مطرقة"، وكأنه بإبليس الذي لا يكف عن الضرب كما بمطرقة، مستخدمًا كلماته المعسولة ليفقدنا نقاوتنا حتى في لحظات العبادة. أما بالنسبة للحادث الثاني فإن رقم 18 الذين سقط عليهم البرج في اليونانية هكذا "I H" وهما الحرفان الأولان لاسم "يسوع"، و"سلوام" تعني "المرسل". بهذا نفهم أن هذا الحادث يشير إلى هلاك اليهود داخل برجهم أي خلال "الناموس" ذاته وذلك برفضهم ليسوع كمخلِّص الذي جاء مرسلاً من قبل الآب لخلاص العالم كله.

يمكننا أن نقول بأن السيِّد يدفعنا للتوبة برفضنا لكلمات إبليس المعسولة والمخادعة، وحذرنا لئلاَّ نتعثر في السيِّد المسيح نفسه الذي جاء يطلب خلاصنا.
+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:55 pm

اليوم الثانى ( الثلاثاء ) من الأسبوع السادس من الصوم الكبير


قراءات باكر
قراءات القداس

أم 8 : 12 – 21

إش 44 : 1 - 8
مز 35 : 13



لو 4 : 22 - 30

1 كو 14 : 18 - 28

يع 1 : 22 – 2 : 1

أع 19 : 11 - 20

مز 42 : 1

لو 9 : 18 – 22

من النبوات .. إشعياء 44 : 1 – 8




إنسكاب الروح والحياة الجديدة



يعتبر هذا الإصحاح تكملة للأصحاح السابق ، فيه يعلن الله عن تحقيق خلاصنا بسكب روحه القدوس على كنيسته لأجل تجديدها المستمر ، يقيم فيها شهودا له بعمله الداخلى فيهم ، يشبعهم ويقدسهم ، غافرا خطاياهم ، وذلك على خلاف الفراغ الداخلى الذى عانى منه الناس خلال العبادة الوثنية .

كأن الخلاص الذى يقدمه الله لشعبه يحمل اتجاهين : تأكيدا أن الله فيه كفايتنا ، البعد عنه سخافة وخداع للقلب .



( 1 ) انسكاب الروح

يحقق الله دعوته واختياره لإسرائيل الجديد بانسكاب روحه القدوس على المؤمنين ليقيم كنية العهد الجديد ، إذ يقول : " والآن اسمع يا يعقوب عبدى وإسرائيل الذى اخترته ، هكذا يقول الرب صانعك وجابلك من الرحم معينك . لا تخف يا عبدى يعقوب ويايشورون الذى أخترته ، لأنى اسكب ماء على العطشان وسيولا على اليابسة . أسكب روحى على نسلك وبركتى على ذريتك ، فينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجارى المياة ، هذا يقول : أنا للرب وهذا يكنى باسم يعقوب ، وهذا يكتب بيده للرب وباسم إسرائيل يلقب "
إش 44 : 1 – 5 .


يلاحظ فى هذه العطية العظمى الآتى :

( أ ) يشتاق الله أن يعطى ليس فقط بركاته وعطاياه الخارجية إنما أن يهب ذاته للإنسان :

" أسكب روحى على نسلك " ، يهب واهب العطايا ، ومانح البركة كهبة وعطية ..

( ب ) يدعو كنيسته " يشورون " ، وقد ظهر هذا الأسم أربع مرات فى العهد القديم ( تث 32 : 15 ، 33 : 5 ، 6 ) ، معناه " مستقيم " ، مشتقة من ياشر . وكأنه يدعو كنيسته التى ضمت الخطاة " مستقيمين " وذلك بفعل روحه القدوس . كانه يشجع شعبه على التجاوب مع عطية روحه القدوس فيتركوا انحرافهم وعصيانهم ويترنموا ببهاء الرب وجماله الروحى .

( جـ ) يقدم لنا عطية روحه القدوس الذى يعمل فينا حسب احتياجنا ، فمن كان ظمآنا يسكب له ماء ليرويه ، أما من كان كأرض يابسة فيفيض عليه سيولا لتحول اليبوسة والقفر إلى بستان . إنه سخى فى العطاء ، يهبنا حسب احتياجنا ، وقدر تجاوبنا معه . يقول :

" افغر فاك فأملأه " مز 81 : 10 .

( د ) ماذا يعنى : " ينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجارى المياة " ؟ ربما عنى أن المتمتع بعطية الروح القدس ينت كشجرة ضخمة بين عشب زائل .

( هـ ) من يتمتع بالروح يكتب على يده : " للرب " ، إذ كانت العادة القديمة أن يكتب الإنسان اسم الإله أو سيده على يده كوشم ، وقد منع الله شعبه من ذلك حتى لا يكتبوا اسم الوثن على أيديهم عند انحرافهم فيصعب بل وكان مستحيلا إزالته .

" وباسم إسرائيل يلقب " ، إذ حملت كنيسة العهد الجديد المتمتعة بعطية الروح لقب

" إسرائيل الجديد " ، ورثت عن إسرائيل القديم الكتب المقدسة بما ضمته من شريعة إلهية ووصايا ونبوات وعهود ومواعيد .. لقد فهمت ذلك كله بالروح لا الحرف وأدركت أسرارا إلهية وتمتعت بأمور فائقة .



( 2 ) أنتم شهودى

المتحدث هنا هو السيد المسيح ، الصخرة التى أفاضت ماء على الشعب ( 1 كو 10 : 4 ) لذا يقول " أسكب ماء على العطشان " إش 44 : 3 ، وها هو يدعو نفسه " ملك إسرائيل وفاديه " إش 44 : 6 ، وقد اعترف أمام بيلاطس أنه ملك .

يدعو نفسه هنا " رب الجنود " ، " أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى " إش 44 : 6 . وفى سفر الرؤيا يقول السيد المسيح : " أنا هو الألف والياء ، البداية والنهاية " رؤ 1 : 8 ، " أنا هو الأول والآخر " رؤ 1 : 17 ، 22 : 13 . واضح أن الفادى رب الجنود الإله الوحيد الذى ليس إله غيره . هو المسيح المخلص .. هذه هى شهادة المتمتعين بخلاصه :

" فأنتم شهودى ، هل يوجد إله غيرى ؟‍ " إش 44 : 8 .



( 3 ) الوثنية والفراغ

بعدما تحدث عن عطية الروح العظمى التى قدمتنا شهودا للحق ، نعلن عن تمتعنا بالله مخلصنا كرب الجنود ، قائد المعركة الروحية ، ومشبع الكل بكونه الأول والآخر ، سند رجال العهد القديم وأيضا مؤمنى العهد الجديد .. الآن يقارن بين شهادة المؤمنين وشهادة عبدة الأوثان :

أ – الشهادة للمخلص تهب شبعا وارتواء وإثمارا : " لأنى أسكب ماء على العطشان وسيولا على اليابسة ..... فينبتون بين العشب مثل الصفصاف " إش 44 : 3 ، 4 .

أما الشهادة للأوثان فتقدم بطلانا وفراغا وجوعا مع عمى وجهل :

" الذين يصورون صنما كلهم باطل ، ومشتهياتهم لا تنفع ، وشهودهم هى ، لا تبصر ولا تعرف حتى تخزى " إش 44 : 9 .

ب – الشهادة للمخلص تهب سلاما : " لا تخف " إش 44 : 2 ؛ " لا ترتعبوا ولا ترتاعوا " إش 44 : 8 ، أما خوفه فخوف ورعدة " يجتمعون كلهم يقفون يرتعبون ويخزون معا " إش 44 : 11 .

لقد اجتمعت كل الطاقات معا ضده من رؤساء كهنة وكتبة وفريسيين وصدوقيين وولاة رومان الخ ... لكنهم حملوا رعبا وخوفا حتى فى لحظات الصلب والسخرية بالمصلوب ! أرعبهم شرهم الداخلى وفراغ قلبهم من النعمة الإلهية ، وثارت الطبيعة عليهم فانكسفت الشمس وانخسف القمر وحدثت زلازل وتشققت الصخور وقام كثير من الأموات !

جـ - يتمتع شهود الرب بالكرامة فيحسبون " إسرائيل الجديد " وينقشون اسم المخلص على أيديهم الداخلية ، وكأنهم لا يعملون إلا باسمه ( إش 44 : 5 ) ، أما شهود الخارجين عنه فيحملون عارا وخزيا ( إش 44 : 11 ) .



أخيرا ماذا تقدم عبادة الأوثان ( = اعتزال الله ) :

أ – عمى البصيرة الداخلية وظلمة داخلية ( إش 44 : 18 ) ـ بينما المسيح هو شمس البر ( ملا 4 : 2 ) .

ب – جهلا وعدم معرفة ( إش 44 : 19 ) ، بينما المسيح هو برنا .

جـ - جوعا فيأكل الإنسان رمادا ( إش 44 : 20 ) ، بينما السيد المسيح هو الخبز السماوى

د – كذبا وخداعا وتضليلا ( إش 44 : 20 ) ، بينما السيد المسيح هو الطريق والحق .

بمعنى آخر نجد فى مسيحنا الأستنارة الداخلية والمعرفة والشبع والحق وكل احتياجاتنا ، أما خارجه فلا يوجد إلا الفراغ الداخلى والشعور بالعزلة وفقدان البصيرة الداخلية .

( 4 ) أنت لى

أبرز بطلان العبادة الوثنية أو اعتزال الله ، لا للنقد العقلانى المجرد ، وإنما لإثارة النفس وحثها على قبول عمل الله الخلاصى ، الذى يتركز فى الآتى :

أ – إقامة شعب لله : " اذكر هذه يا يعقوب ، يا إسرائيل فإنك أنت عبدى " إش 44 : 21 ... رنا إسرائيل الجديد المتعبد لله .

ب – انتسابنا له : " لى أنت " إش 44 : 21 ، لسنا فقط خليفته وشعبه ، إنما يعتز الله بنا كأولاد له ، منسوبين إليه .

جـ - غير منسيين منه ( إش 44 : 21 ) .

د – ننعم بغفران الخطايا مهما بلغت كثافتها : " قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك ، ارجع إلى لأنى فديتك " إش 44 : 22 .

هـ - يهب النفس ( السموات ) تسبيحا ، والجسد ( الأرض ) هتاف فرح ، وطاقاتنا ( الجبال ) ترنما ، ويصير كل ما فى داخلنا كأشجار تمجد الله ( إش 44 : 23 ) .



( 5 ) نبوة عن كورش :

قبل حوالى 220 سنة أعلن الله عما يتم على يدى كورش الوثنى لأجل بنيان أورشليم وتأسيس الهيكل حسب مسرة الله : " القائل عن كورش راعى ، فكل مسرتى يتمم ، ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس " إش 44 : 28 . هنا لأول مرة يذكر اسم " كورش " راحة ، معناه بالفارسى " شمس " ، وبالأرامية " راع " ، يرى البعض أن " راعى " لقب لبعض ملوك الشرق الأوسط قديما .

يذكر المؤرخ اليهودى يوسيفوس أن كورش قرأ فى إشعياء اسمه قبل 220 سنة وأراد أن يحقق ما ورد عنه ( راجع عزرا 1 : 2 ، 2 أى 36 : 23 ) .

ماذا يعنى بقوله : " القائل للجة انشفى وأنهارك أجفف " إش 44 : 27 ؟

أ – يصور أورشليم بلجة ماء ونهر لا يمكن أن يقام فيه الهيكل بعد ، وذلك حسب الفكر البشرى ، لأن اليهود فقدوا رجاءهم تماما أثناء السبى البابلى ، لكن الله الكلى القدرة والرعاية يجفف اللجج والأنهار محققا وعوده لنا .

ب – ربما يشير هنا إلى عبور بحر سوف ونهر الأردن ليؤكد أنه قادر أن يعبر بهم من السبى ويردهم إلى أرض الموعد .

جـ - ربما أشار إلى كورش الذى عبر الفرات واقتحم مملكة بابل .

+ + +

البولس من كورنثوس الأولى 14 : 18 – 28



"أشكر الهي إني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم" [18].

يُظهر الرسول أنه لا يستخف بموهبة التكلم بألسنة، فهو يشكر اللَّه أنه قد وهبه ذلك لكي يحدث الكثيرين بلغتهم. إذ كان بولس رسولاً للأمم وهبه اللَّه التكلم باللغات أكثر من غيره حتى يتمكن من الخدمة في كل البلاد التي يزورها ويخدم فيها.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:56 pm

+ كانت موهبة التكلم بالألسنة غريبة، أما النبوة فمعروفة وقديمة، وقد أعطيت لكثيرين بعكس الأولى، ومع هذا لم يهتم بها كثيرًا، ليس لأنه لم يستخدمها، ولا لأنه لم ينلها بل يبحث دومًا في الأمور الأكثر نفعًا، بكونه متحررًا من كل مجدٍ باطلٍ، مهتمًا بأمرٍ واحدٍ فقط: كيف يجعل سامعيه في حالٍ أفضل.
القديس يوحنا الذهبي الفم



"ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني

لكي أعلم آخرين أيضًا

أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسانٍ" [19].

يقول Dr. Pearce أن أصعب مشكلة في هذا الإصحاح هو إدراك ما يقصده الرسول بكلمتي "روح" pneuma و"ذهن" nous اللتين تكررتا كثيرًا. من العبارة واضح ما يقصده الرسول هو أن يوجه الكنيسة للصلاة والتسبيح لا باللغة العبرية التي كُتب بها العهد القديم خاصة الترنم بالمزامير، وإنما أن يُصلي ويرنم بلغة الشعب حتى يدرك كلمة الوعظ والصلاة والشكر والتسبيح للَّه.

يقول Dr. Pearce أن الرسول يقدم الروح والذهن كأنهما مقابلان لبعضهما البعض. فيقصد بالروح أن يفهم الإنسان المتكلم أو المرتل دون الذين حوله، ويقصد بالذهن أن يدرك الجمهور ما ينطق به المتكلم أو المرتل.

"أيها الاخوة لا تكونوا أولادًا في أذهانكم،

بل كونوا أولادًا في الشر،

وأما في الأذهان فكونوا كاملين" [20].

يليق بنا ألا نسلك كأطفالٍ بلا التزام أو مسئوليةٍ أو فهمٍ، بل نكون ناضجين وكاملين كما أن أبانا كامل. لنكن أطفالاً في الشر، لا نحمل روح الخبث بل بساطة القلب والحب.

هنا يلزمنا إدراك معنى ثلاث كلمات يونانية واردة في هذه العبارة:

1. paidia معناها أطفال بوجه عام وعلى وجه الخصوص الذين ينمون لكي يرسلوا إلى المدرسة ويتقبلوا التعليم. وكأن الرسول يقول: لست أريدكم أن تكونوا أطفالاً paidia صغارًا كمن يبتدءون في الذهاب إلى المدرسة لتعلم المبادئ الأولية بل يكون لهم الفهم والإدراك الكافي لهذه المبادئ.

2. أما من جهة الخبث فكونوا أطفالاً neepios، وهي مشتقة من nee تعنى طفلا infant عاجزًا عن الكلام في المرحلة البدائية للطفولة. أي يعجز عن أن يهدف نحو الشر أو يتحدث به.

3. كامل teleioi من teleoo وتعني الإنسان الذي بلغ النضوج الكامل في القامة والفهم. فهو يود أن نكون ناضجين جسديًا وفكريًا.

هكذا يحسب الرسول بولس الذين ينتفخون بالتكلم بألسنة يمارسون عملا طفوليًا غير ناضج، يحتاجون إلى دخول في مدرسة الخدمة ليتدربوا علي الحب العملي والبحث الجاد عن خلاص اخوتهم بفهمٍ وتعقلٍ، لا بانفعالات عصبية طفولية. فالايمان ليس مجالاً للَّهوٍ طفوليٍ بل هو عمل متعقل ناضج. إنه يحترم في الطفولة البساطة وعدم الخبث كما قال السيد المسيح أنه يلزمنا أن نصير كالأطفال لندخل ملكوت السموات (مت 18: 3). لكنه يطالبنا ألا نتشبه بهم في العجز عن الفهم والإدراك أو عدم الالتزام بالمسئولية.

+ إذ كان لهؤلاء موهبة الألسنة والتي كانت أقل المواهب، ظنّوا أنهم نالوا كل شيء، لذلك يقول: "لا تكونوا أولادًا"، أي لا تكونوا بلا فهمٍ حيث يجب أن تكونوا مفكّرين، لكنكم صرتم كالأطفال البسطاء حيث الشر والمجد الباطل والكبرياء. لأن من هو طفل في الشر يلزم أن يكون أيضًا حكيمًا. وحيث أن الحكمة مع الشر ليست حكمة هكذا أيضًا البساطة مع الغباوة ليست بساطة. يلزم مع البساطة أن نتجنب الغباوة، ومع الحكمة نتجنب الشر.

+ أن تكون طفلاً في الشر هو أنك لا تعرف حتى ما هو الشر.
القديس يوحنا الذهبي الفم


+ يريدهم بولس أن يكونوا ناضجين عقليًا حتى يقتطفوا بدقةٍ ما هو لازم لبنيان الكنيسة. بهذه الطريقة يتركون خلفهم المكر والأخطاء, مجاهدين عوض ذلك من أجل الأمور التي تقود إلى صالح الاخوة.

أمبروسياستر

+ لا تكونوا أطفالاً في الفهم، وإنما في المكر كونوا أطفالاً صغار فتكونوا في الفهم كاملين... يمكن التعبير عن هذا هكذا: "لا تكونوا أطفالاً، ومع ذلك كونوا أطفالاً".

+ الحكمة الإلهي نفسه إذ حمل طبيعتنا الضعيفة جاء لكي يجمع أبناء أورشليم تحت جناحيه، كدجاجة تجمع فراخها، لا لكي نبقى دومًا صغارًا بل إذ نكون أولادًا في الشر نكف عن أن نكون أولادًا في الفكر.
القديس أغسطينوس




التكلم بألسنة لغير المؤمنين



"مكتوب في الناموس

إني بذوي ألسنة أخرى

وبشفاه أخرى

سأكلم هذا الشعب،

ولا هكذا يسمعون لي يقول الرب" [21].

يقصد بالناموس هنا العهد القديم ككل، وقد ورد هذا القول في إشعياء 38: 11 - 12. يشير في إشعياء إلى أن اللَّه يعلم شعبه اليهودي المتمرد الخضوع له بتأديبهم وسط شعب يتكلم بلغة أخري، أي بشعبٍ غريبٍ، إذ سلمهم للكلدانيين (السبي الأشوري لإسرائيل ثم البابلي ليهوذا). لم يشر الرسول إلى عبارة نبوية خاصة بالتكلم بألسنة، وإنما يشير إلى استخدام اللَّه للغة الأجنبية لتأديب الشعب الرافض لصوت اللَّه. فكما أدّب شعبه بالبابليين الذين أذلوا الشعب الجاحد، هكذا يستخدم اللَّه التكلم بألسنة لغير المؤمنين، أي للأمم قبلاً. وكأن غاية التكلم بالألسنة ليس الاستعراض ولا عدم الفهم وإنما الحديث مع غير المؤمنين بلغتهم التي يجهلها المتكلم، يتحدث بها كعطية مجانية من قبل اللَّه. بهذا يدرك اليهود والأمم أن اللَّه هو مخلص الجميع.

إذًا الألسنة آية،

لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين.

أما النبوة فليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين" [22].

التكلم بألسنة هو آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين. فكما تحدث اللَّه مع شعبه القديم بلغة التأديب خلال البابليين أي بلغة غريبة حتى يكفوا عن تمردهم ويؤمنوا، هكذا في العهد الجديد يقدم التكلم بالألسنة لكي يحدث غير المؤمنين من اليهود والأمم بلغات أجنبية (غير العبرية) حتى يؤمن الكل! إنه صوت إلهي لرافضي الإيمان بالإنجيل وعمل اللَّه الخلاصي للعالم كله! فمتي آمنوا بالرب وقبلوا الإنجيل فلا حاجة لليهود أن يسمعوا الرسل يتحدثون بألسنة الأمم، ولا حاجة للأمم، إن وجد من يعرف لغتهم، أن يبشرهم أحد بلغتهم وهو لم يتعلمها.

فالتكلم بالألسنة ليس للمسيحيين الذين قبلوا الحق الإنجيلي بل لغير المسيحيين ليدركوا دعوة اللَّه لهم بلغتهم التي كان يجهلها الرسل.

بنيان الكنيسة يحتاج إلى كلمة النبوة الهادئة البناءة، لكي يتمتع المؤمنون بالمعرفة الصادقة، وتنسحب قلوبهم إلى الحياة السماوية والعالم العتيد.

+ الألسنة علامة لغير المؤمنين لا لتعليمهم, وأما النبوة فهي للمؤمنين وغير المؤمنين لنصحهم.

+ لا يحتاج المؤمن أن يرى آية بل يطلب فقط تعليمًا ووعظًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم

+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:56 pm

إنجيل القداس من لوقا 9 : 18 - 22


18 و فيما هو يصلي على انفراد كان التلاميذ معه فسالهم قائلا من تقول الجموع اني انا
19 فاجابوا و قالوا يوحنا المعمدان و اخرون ايليا و اخرون ان نبيا من القدماء قام
20 فقال لهم و انتم من تقولون اني انا فاجاب بطرس و قال مسيح الله
21 فانتهرهم و اوصى ان لا يقولوا ذلك لاحد
22 قائلا انه ينبغي ان ابن الانسان يتالم كثيرا و يرفض من الشيوخ و رؤساء الكهنة و الكتبة و يقتل و في اليوم الثالث يقوم




التلاميذ والتعرُّف على شخصه

"وفيما هو يصلِّي على اِنفراد كان التلاميذ معه،

فسألهم قائلاً: من تقول الجموع إنِّي أنا؟" [18]

إذ اِلتقَت به الجموع تحدَّث معها، وشفى جراحاتها، وقدَّم لها طعامًا يشبعها، أما تلاميذه فدخل بهم معه إلى خُلْوة اِنفراديَّة لعلَّهم إذ يروه يصلِّي يستطيعون إدراك علاقته الفريدة مع أبيه. لقد صلَّى وكانوا معه، ليعلِّمهم الصلاة كطريقٍ للتمتُّع بأسرار الآب والابن، لذا جاء السؤال: من تقول الجموع إني أنا؟ لكي يعود فيسألهم: وأنتم من تقولون إنِّي أنا؟

إن كنَّا مع الجموع ننعم بأعماله العجيبة ونشبع ونرتوي، فإنه يريدنا أن نلتقي معه على اِنفراد نتمتَّع بأسراره الإلهيَّة، إذ يريد أن يقدِّم لنا نفسه شخصيًا، لنقول له مع بطرس الرسول: "مسيح الله!" وكما يقول القدِّيس أمبروسيوس: [يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعبِّر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.]

ورد هذا الحديث في شيء من التفصيل (مت 16: 13-20؛ مر 8: 27-30)

التلاميذ والصليب

إذ أعلن بطرس الرسول إيمانه بالسيِّد المسيح، اِنتهرهم وأوصاهم ألا يقولوا ذلك لأحد [21]، "قائلاً أنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألَّم كثيرًا، ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم" [22].

لقد وضَّح أن غاية وصيَّته هذه لتلاميذه تأجيل الإعلان عن شخصه حتى تتحقَّق أحداث الصلب والقيامة، لأنهم "لو عرِفوا لَمَا صلبوا رب المجد" (1 كو 2: 8)، فلا يريد إعاقة هذه الأحداث. ففي الوقت الذي فيه أراد أن يُعلن عن ذاته لتلاميذه حتى لا يتعثَّروا بصلبه، أرادهم أن يصمِتوا ولا يُعلنوا عن شخصِه حتى يتم الصليب.

الحقيقة أن الكشف عن ذاته قد اِلتحم بالصليب، فلا قيمة لذبيحة الصليب ما لم يُعلن شخص المصلوب كابن الله الوحيد ومسيحه القدُّوس، ولا يمكننا أن نتمتَّع بشخص المسيَّا كابن الله وننعم به خارج الصليب. إن كان السيِّد المسيح هو الصديق السماوي، فقد جاء ليحملنا بحبه إلى صليبه، هناك بالحري نتعرف عليه ونقبله ونثبت فيه كأعضاء جسده، وندخل به إلى حضن أبيه.

هذا ولا يمكننا أن نتعرَّف على صليبه إلا بِحِملنا إيّاه معه كاختبارٍ يوميٍ تقويٍ، لذا اِلتحم حديثه عن صلبه بحديثه عن صلْبنا نحن معه يوميًا، أو حملنا صليبه وتمتَّعنا بشركة آلامه، إذ يكمل الإنجيلي حديثه هكذا: "وقال للجميع: إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني" [23].

يكشف لنا عن ذاته كي لا نتعثَّر في صليبه، ويجتذبنا إلى صليبه لكي ننحني معه نشاركه آلامه كل يومٍ بفرحٍ، فنُحسب أهلاً لشركة أمجاده. هذه هي شهوة قلب كل رسول بل وكل مؤمن: "لأعرفه وقوَّة قيامته وشركة آلامه متشبِّهًا بموته" (في 3: 10).

يقول القدِّيس جيروم: [صليبه هو عمود البشريَّة. عندما أقول "الصليب" لا أفكِّر في الخشبة، بل في الآلام. هذا الصليب يوجد في بريطانيا والهند وكل المسكونة... وأنت إن لم تكن نفسك مستعدَّة لحمل الصليب، كما هو الأمر بالنسبة لي (للمسيح) لا يمكنك ان تكون لي تلميذًا. طوبى للإنسان الذي يحمل في قلبه الصليب والقيامة، فيكون موضع ميلاد المسيح وقيامته! طوبى لمن له بيت لحم في قلبه، فيولد المسيح فيه كل يوم!... يُصلب المسيح فينا كل يوم، ونحن نصلب عن العالم... طوبى لمن يقوم فيه المسيح كل يوم! فإنه يقوم إن كان الخاطئ يتوب عن خطاياه حتى الهفوات منها!]

الصليب لا يحطِّم حياتنا مادمنا نحمله مع السيد المسيح غالب الموت، أو بمعنى آخر مادام يحمله المسيح الساكن فينا. خارج المسيح الصليب محطِّم للنفس، أما في المسيح، فهو طريق الخلاص والقيامة. لهذا يقول السيِّد المسيح نفسه: "فإن من أراد أن يُخلِّص نفسه يُهلكها، ومن يُهلك نفسه من أجلي فهذا يُخلِّصها" [24]، بمعنى أن من أراد أن يُخلِّص نفسه أي يمجِّدها بقيامتها الأبديَّة يلزمه أن يُهلكها بحملها الصليب مع مخلِّصها. فإن الصليب وإن حمل صورة الهلاك من الخارج، لكنه واهب الخلاص.

سحبت هذه العبارة الإلهيَّة فكر كثير من رجال التربية الحديثة، في أبحاثهم عن تربية الأطفال، إذ كشفت لهم عن مفهوم الحب الوالدي الحق، فإنه لا يستطيع أحد أن يُخلِّص أولاده ما لم يُهلك ذاته أو "الأنا ego". فإن كثيرين يُحبُّون أنفسهم أو ذواتهم في أولادهم، يريدون أن يشكِّلوا أبناءهم حسب أهوائهم وميولهم واشتياقاتهم، لا حسب فكر الأبناء ومواهبهم وإمكانيَّاتهم. إنهم في الحقيقة يأسرون أولادهم في سجن "الذات" الذي يصعب على الوالدين أن يحرِّروا أبناءهم منه! ونحن نستطيع أن نقول بأننا إذ نُصلب مع المسيح ننكر ذواتنا ونكفر بها، لنعيش أعضاء أحياء في جسد المسيح، هنا لا نأسر أولادنا في "الأنا"، إنما نشعر بهم كأشخاصٍ وأعضاءٍ معنا في الجسد الواحد، لهم شخصيَّاتهم المستقلَّة ومواهبهم وطاقاتهم وإمكانيَّاتهم التي يضمرها روح الله القدُّوس نفسه، أما نحن فنخدمهم ونوجِّههم بالحب الحق بلا أنانيَّة.

إذن الصليب هو سرْ حياة كل عضو في حياته الخاصة، وفي علاقاته الأُسريَّة، وفي علاقاته الكنسيَّة والاجتماعيَّة... إذ يعيش باذلاً في الرب لا يطلب لنفسه شيئًا فينال كل شيء. بقدر ما يجحد ذاته تنمو نفسه بالحب ويتجلَّى الله فيه، ويكون موضع حب السماء والأرض أيضًا، لهذا يؤكِّد القدِّيس أغسطينوس إنه يلزمنا أن نُهلك ذواتنا لنربح أنفسنا.

مرَّة أخرى يحدِّثنا عن الصليب بأسلوب آخر، قائلاً: "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها؟" [25]. هنا لا يقصد بالعالم سكَّانه، إنما أمور هذا العالم الماديَّة والمعنويَّة. كما يقول القدِّيس أغسطينوس إن الإنسان إذ يعيش بروح الأنانيَّة "يحب ذاته"، فيما هو يتقوقع حول ذاته ينطلق إلى أمور العالم ليقتنصها لحساب ذاته. يريد أن يكون العالم كله خاضعًا لملذَّاته، عاملاً لحساب غناه أو كرامته أو ملذَّات جسده، فيفقد حبُّه لنفسه، إذ يُهلكها. أما من يقبل الصلب مع المسيح فإنه إذ يجحد ذاته وينطلق خارج الأنا ليموت بالحب عن الآخرين، ويتَّسع قلبه لاحتمال وخدمة الجميع، فيربح الكل لنفسه! لنمُت، فنحيا! لنُدفن مع البذار، فنُثمر ثلاثين وستِّين ومائة! فالصليب ربح لا خسارة، مادام يمثِّل شركة مع المصلوب.
+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:57 pm

اليوم الثالث ( الأربعاء ) من الأسبوع السادس من الصوم الكبير


قراءات باكر
قراءات القداس

خر 10 : 1 – 11 : 10

إش 44 : 21 - 28
مز 102 : 17 ، 21



مر 7 : 1 - 20

رو 2 : 12 - 24

2 بط 1 : 20 – 2 : 6
أع 26 : 1 - 8


مز9 : 11 ، 12

لو 11 : 45 - 52

من النبوات .. خروج 10 : 1 – 11 : 10





الأصحاحان الحادى عشر والثانى عشر

الفصح

بين خروف الفصح وقيامة المسيا :

إن كان الفصح يعتبر نقطة تحول فى تاريخ الشعب القديم ، خلاله عبروا من أرض العبودية إلى البرية منطلقين نحو أرض الموعد ، لذا حمل خروف الفصح بكل طقوسه مفهوما خاصا ، يقام فى أول شهور السنة ( 12 : 2 ) ، يعيدونه كل عام فريضة أبدية ( 12 : 14 ) ، تلتزم به كل الجماعة ( 12 : 6 ) . حمل أيضا مفهوما روحيا يمس حياة الجماعة الكنسية فى علاقتها بالله ، فلم يكن خروف الفصح مجرد تذكار لقصة تاريخية حدثت فى الماضى ، لكنه يمثل عنلا حاضرا ودائما لله فى حياة شعبه .

عيد الفصح أيضا كان يعنى وجود علاقة شخصية بين كل عضو فى الجماعة والله نفسه . هذا فيما يخص خروف الفصح الرمزى ، أما وقد قدم السيد المسيح نفسه " فصحا " حقيقيا عن العالم كله ، صارت آلامه وصلبه ودفنه وقيامته فصحا دائما ومستمرا فى حياة الكنيسة ، تعيده الكنيسة ليس فقط مرة كل عام ، بل وفى كل قداس إلهى ، بل وتختبر قوته خلال حياتها اليومية . صار هذا العمل الفصحى الإلهى موضوع لهج كل مؤمن حقيقى ، خلاله يعبر من مجد إلى مجد ليدخل بالروح القدس إلى حضن الآب .



هذا ما جعل الأصحاحين الحادى عشر والثانى عشر من سفر الخروج مركزا للسفر كله ، بل وبغير مبالغة للعهد القديم كله ، كما أن صلب السيد المسيح وقيامته هما مركز الأنجيل . لذلك رأيت الضرورة ملحة إلى تقديم دراسة دقيقة ومختصرة قدر الإمكان لخروف الفصح على ضوء التقاليد المعروفة فى ذلك الحين ، وعلى ضوء التقليد اليهودى ، وخلال آلام السيد وصلبه وقيامته ، لنعرف أثره فى حياة الكنيسة الجامعة وفى حياة كل عضو فيها .



الفصح والتقاليد القديمة :

فى أيام آدم الأول ، قدم إبناه تقدمتين مختلفتين : قدم هابيل – كرجل صيد – ذبيحة دموية كفارة عن خطاياه تسلمها بلا شك عن والديه ، وقدم قايين من محصولات الأرض بكونه رجل زراعة . على أى الأحوال تسلمت البشرية هذين العملين وشوهت صورتهما خلال إنحراف البشرية عن الطريق الإلهى ، فصارت قبائل البدو فى العالم تلطخ خيامها بعلامة الدم إعتقادا منها أنها تطرد الأرواح الشريرة فلا تؤذيهم . أما القبائل العاملة فى الزراعة فصار لها تقليد مغاير ، يمتنعون عن أكل الخبز المختمر لبضعة أيام فى بداية المحصول الجديد حتى لا يدخل الخمير الخاص بالمحصول القديم مع دقيق المحصول الجديد .. بهذا يرون أنهم يبدأون عاما جديدا بطعام جديد وحياة جديدة .

ويلاحظ أن هذين الطقسين ( رش الدم والإمتناع عن الخمير ) لهما أصل إيمانى نقى ، لكن البشرية إنحرفت بهما عن مسارهما الإيمانى ، فجاء طقس الفصح يرد الطقسين إلى مسارهما السليم من جديد .

والعجيب أن الكنيسة فى احتفالها بعيد الفصح " القيامة " مارست منذ العصور الأولى طقسين متكاملين ومتلازمين ، هما طقس عماد الموعوظين وطقس الأفخارستيا . ففى ليلة العيد يقوم الأسقف بعماد الموعوظين ليحملوا علامة الدم على جباههم الداخلية وفى قلبهم ، ينعمون بالمصالحة مع الله فى إبنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس . ويتنعمون بروح البنوة الذى يعينهم على العبور نحو الأمجاد الإلهية ، ثم يتقدمون مع بقية المؤمنون للأشتراك فى الطقس الآخر – أى الإفخارستيا – حيث تظهر الكنيسة المجاهدة على الأرض وكأنها وسط جهادها مستقرة حول مذبح الله الأبدى . فتأكل الفطير الجديد على الدوام ، تتمتع بالجسد والدم المقدسين اللذين لا يقدما ولا يشيخا .

هذا هو فصحنا الجديد الذى حمل الفصح القديم ظلا له ورمزا .

فصح شخصى :

أمر الله أن تقوم كل الجماعة بتقديم الفصح ، فهو فصح الكنيسة كلها المتحدة بعريسها ، واشترط فيما بعد أن يقدم فى أورشليم دون سواها ، الموضع الذى دعى اسمه فيه ، لأنه فصح الرب .

هذه الصورة الجماعية الحية لم تتجاهل الجانب الشخصى لكل عضو فى الجماعة ، بل ركزت عليها خلال إتحاد العضو بالجماعة . فلم يأمر الله أن يرش الدم على كل بيت فحسب ، وإنما ألزم كل رجل وإمرأة أن يأكلاه مشويا بالنار . والأكل علامة العلاقة الشخصية والإشتراك الشخصى فى ممارسة الطقس .

حقا لم يكن ممكنا للأطفال الصغار جدا والرضع أن يشتركا فى الأكل لكنهم كانوا يحضرون الطقس ويفرحون به ، بل وخلصوا من الهلاك خلال إيمان والديهم الذين يشتركون فى أكل خروف الفصح .

[ وهكذا المعمودية أيضا للأطفال ، بإيمان والديهم .. حتى لا يهلكوا ! ] .

من الناموس إلى المسيا :

كان عشاء الفصح عند اليهود له طقسه الخاص الذى سجله لنا الأصحاح الثانى عشر من سفر الخروج مع بعض التقاليد الأخرى التى حملت صلوات بركة وتسابيح ومزامير معينة سجلت فى المشنة ( التقليد اليهودى ) .

كان هذا العيد غنيا فى ذكرياته ووعوده التى حملت رعاية الله للإنسان خاصة خلال الخلاص المقدم بالمسيا . فكانوا يعرفون هذه الليلة أنها ذكرى سنوية لخلقة العالم ، ولختان إبراهيم وذبيحة إسحق وخروج يوسف من السجن والعتق المنتظر من السبى ، وظهور المسيا ، ومجىء موسى وإيليا وقيامة الآباء ونهاية العالم .. لهذا قدم السيد المسيح نفسه فصحا للعالم فى عيد الفصح ، ليعلن أن الحقيقة تبتلع الرمز وتدخل به إلى كمال هدفه .

+ يتحقق سر الفصح فى جسد الرب ...

فقد اقتيد كحمل ، وذبح كشاة ،

مخلصا إيانا من عبودية العالم ( مصر ) ،

ومحررنا من عبودية الشيطان كما من فرعون ،

خاتما نفوسنا بروحه ، وأعضاءنا الجسدية بدمه ..

إنه ذاك الواحد الذى خلصنا من العبودية إلى الحرية ،

ومن الظلمة إلى النور ، ومن الموت إلى الحياة ،

ومن الظلم إلى الملكوت الأبدى ...

إنه ذاك الذى هو ( فصح ) عبور خلاصنا ...

هو الحمل الصامت ... الذى أخذ من القطيع ،

واقتيد للذبح فى المساء ، ودفن بالليل ...

من أجل هذا كان عيد الفطر مرا ، كما يقول كتابكم المقدس :

تأكلون فطيرا بأعشاب مرة ،

مرة لكم هى المسامير التى استخدمت ،

مر هو اللسان الذى جدف ،

مرة هى الشهادة الباطلة التى نطقتم بها ضده ..

هكذا .. ذبيحة الحملان وطقس الفصح وحرف الناموس ، هذه قد تحققت فى المسيح يسوع . عوض الناموس جاء اللوغوس ، فصار القديم جديدا ، وصارت الوصية نعمة ، والرمز حقيقة .



من الفصح الأرضىإلى الفصح السماوى :

تحدث القديس أثناسيوس فى رسائله الفصحية كثيرا :

+ والآن يا أحبائى قد ذبح الشيطان ( فرعون ) ، ذلك الطاغية الذى هو ضد العالم كله ، فنحن لا نقترب من عيد زمنى بل عيد دائم سمائى ....

الآن نأكل " كلمة الآب " وتمسح قلوبنا بدم العهد الجديد نعرف النعمة التى يهبنا إياها المخلص ، الذى قال " ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب ، وكل قوة العدو " ( لو 10 : 19 ) .

الذين يحفظون العيد فى نقاوة يكون الفصح طعامهم السماوى .
+ + +

طقس الفصح : خر 11 : 4



الناموس كان مقدمة لعهد النعمة ، ليس فقط خلال الوصايا والكلمات ولكن أيضا خلال الرمز .. والآن نتحدث عن طقس الفصح كما ورد فى سفر الخروج وما يرمز إليه ، بالأستعانة بالنصوص الأنجيلية :
( 1 ) لماذا تم بالليل ؟



يقول الرب لموسى " إنى نحو نصف الليل أخرج فى وسط مصر " 11 : 4 ،

تمت الضربة فى الليل فى الظلام ، لأنه فى ظل الليل بعيدا عن نور النهار الواضح يتحقق العدل فى الشياطين وجرائمهم القاتمة " وأعطى عجائب فى السماء والأرض دما ونارا وأعمدة دخان . تتحول الشمس إلى ظلمة ، والقمر إلى دم قبل أن يجيىء يوم الرب العظيم المخوف " يوئيل 2 : 30 ، 31

كأنه بالليل حيث يسكن الشيطان فى الظلمة يقتله الرب فى عرينه ، بينما هو مطمئن ليس من يقاومه فيهلك وكل أعماله معه .

( 2 ) فى شهر أبيب أول الشهور :

كلم الرب موسى وهرون قائلا " هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور ، هو لكم أول شهور السنة " ( 12 : 1 ) كأنه فى كل فصح يدخلون عاما جديدا ، ليعيشوا فى حالة تجديد قلبى مستمر فى المسيح يسوع الذبيح .

هذا يعنى أن ذبيحة الفصح الحقيقى بالنسبة لنا هى بدء الحياة الأبدية

ويلاحظ أن " أبيب" تعنى " سنبلة " ، وكأنه خلال الفصح تصير النفس سنبلة الرب أى حصاده .
( 3 ) الحفظ فى اليوم العاشر ع 3



كان إشارة إلى دخول السيد المسيح أورشليم ليبقى تحت الحفظ حتى يقدم نفسه فصحا من أجلنا . أما اختياره اليوم العاشر فإشارة إلى مجيئه بعد الناموس ( الوصايا ) يكمل الوصية التى كسرها الإنسان ، واهبا لنا إمكانية تنفيذها .
( 4 ) تقديمه فى اليوم الرابع عشر ع 6



فى اليوم الرابع عشر يكون القمر بدرا ، ولما كانت الشمس رمزا للسيد المسيح والقمر للكنيسة ، كأنه خلال " المسيح فصحنا " 1 كو 5 : 7 ، تكتمل إستنارة الكنيسة ويعلن بهاؤها .

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:58 pm

أما أيام الحفظ فهى خمسة ( 10 – 14 أبيب ) تمثل البدايات الخمس للعالم فى تاريخ الخلاص .

آدم به بدأ الجنس البشرى ، ونوح بدأ به العالم الجديد بعد الطوفان ، إبراهيم بدأ كأب للمؤمنين ومن صلبه خرج شعب الله ، وموسى بدأ العالم فى الناموس المكتوب وأخيرا جاء السيد المسيح فى اليوم الخامس ليبدأ عهد النعمة ، فيه قدم نفسه فصحا ، له فاعليته فى كل الحقبات الخمس .
( 5 ) دعوة الجار القريب ع 4



تشير هذه الدعوة إلى دعوة الأمم بكونهم " القريب " الذى ينعم أيضا بذبيحة الفصح الحقيقى .
( 6 ) شاة صحيحة ع 5



إشترط أن يكون إما خروفا ، رمز للوداعة كقول إشعياء النبى " ظلم أما هو فتذلل ، ولم يفتح فاه ، كشاة تساق إلى الذبح " 53 : 7 ، أو من الماعز الذى يقدم فدية عن الخطية حسب الناموس ( عدد 7 : 16 ) .

نظره يوحنا المعمدان وقال " هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم " يو 1 : 29 . وفى السماء رآه القديس يوحنا اللاهوتى :

" وفى وسط القسوس خروف قائم كأنه مذبوح " رؤيا 5 : 6

أما كونه صحيحا بلا عيب ، فلأن السيد المسيح قدوس بلا عيب يقدر أن يكفر عن خطايانا بدم نفسه ( عب 9 : 14 ) .

أما كونه ذكرا فإشارة إلى رئاسته ، لكونه عريس كل المؤمنين ( 2 كو 11 : 2 ) ، إذ :

" من له العروس فهو العريس " يو 3 : 29 .

" إبن حول " أى شاب ليس فيه ضعف الشيخوخة ولا يصيبه القدم ، يبقى جديدا فى حياتنا على الدوام ، مع أنه هو القديم الأيام الأزلى .


( 7 ) يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل ع 6



من جهة تحقق هذا الأمر فى شخص السيد المسيح الذى قيل عنه :

" اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذى مسحته هيرودس وبيلاطس البنطى مع أمم وشعوب إسرائيل " أع 4 : 27
( 8 ) ذبحه فى العشية ع 6



إشارة إلى تقديم السيد المسيح نفسه فصحا عن العالم فى ملء الأزمنة .

( 9 ) رش الدم على العتبة العليا والقائمتين ع 7

يتحدث عن فاعلية الدم قائلا " فأرى الدم وأعبر عنكم " ، لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة " عب 9 : 22

إن رش الدم هكذا على العتبة العليا والقائمتين إنما يشير إلى تقديس النفس بجوانبها الثلاث : العقلى والعاطفى والروحى ، أى تقديس الإنسان بكل طاقاته الفكرية واشتياقاته وأحاسيسه الداخلية .

ويلاحظ أن رش الدم لا يكون على العتبة السفلى حتى لا يداس بالأقدام ، إذ يقول الرسول " كم عقابا أشر تظنون أنه يحسب مستحقا من داس إبن الله وحسب دم العهد الذى قدس به دنسا وازدرى بروح النعمة " عب 10 : 29 .
( 10 ) إستخدام الزوفا ع 22



" خذوا باقة زوفا واغمسوها فى الدم الذى فى الطست ومسوا العتبة العليا والقائمتين بالدم "

الرأى التقليدى بين اليهود أن الزوفا هى نبات الزعتر واستخدم للتطهير من البرص ( لا 14 : 4 ، 6 ) ، واستخدم أيضا لرفع إسفنجة من الخل التى قدمت للسيد على الصليب ( يو 19 : 29 ) .
( 11 ) يأكلونه مشويا بالنار.. لا تأكلوا منه نيئا أو طبيخا مطبوخا بالماء ع 8، 9



يلتزم المؤمنون بأكل اللحم مشويا بالنار ، للأتحاد بالسيد المسيح الذى اجتاز من اجلنا العدل الإلهى قائلا " قلبى كالشمع ذاب فى وسط أحشائى . قوتى نشفت كزق ولصق لسانى بحنكى " ..



( 12 ) مع فطير . . وعلى أعشاب مرة ع 8

يشير الخمير إلى الشر والخبث ( 1 كو 5 : 7 ، 8 ) وإلى الرياء ، يقول الرسول :

" إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق " 1 كو 5 : 8 ..

ويلاحظ أن السيد المسيح فى سر الأفخارستيا إستخدم خبزا مختمرا ، لأنه حمل فى جسده خطايانا .

الأعشاب المرة تذكر الشعب مرارة عبودية الخطية التى يتحررون منها خلال خروف الفصح .

وتشير إلى مرارة نفس السيد المسيح من جزاء ما عاناه من إهانات واستهزاء عند محاكمته وصلبه ..
( 13 ) لا تبقوا منه إلى الصباح ع 10



إشارة إلى سر الفصح كسر " الحياة الجديدة " وقد حرصت كنيستنا على عدم إبقاء الأسرار الإلهية لليوم التالى .
( 14 ) عظما لا تكسروا منه ع 46



يشير إلى السيد المسيح الذى لما جاءوا ليكسروا ساقيه وجدوه قد مات سريعا ( يو 19 : 36 ) فلم يكسروهما ..



( 15 ) يأكلوه وهم على إستعداد للرحيل ع 11

إشترط أن يأكلوه هكذا " أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم فى أرجلكم وعصيكم فى أيديكم ، وتأكلونه بعجلة . هو فصح للرب " ع 11

التفسير التاريخى لهذا الأمر حتى يتذكر اليهود أنهم راحلون ، لقد عرف هذا الشعب بكثرة النسيان فأعطاهم هذه الوصية حتى لا ينسوا غاية الفصح .

التفسير الرمزى : لكى نكون نحن أيضا مستعدين لخروجنا ورحيلنا ، إلى أورشليم السمائية ..

الأحقاء مشدودة تشير إلى ضبط الجسد والشهوات وملذاته ...

الحذاء الذى فى الرجل ، هو حذاء السيد المسيح [ الذى قال عنه معلمنا يوحنا المعمدان : أنه غير مستحق أن ينحنى ويحل سيور حذائه ] حتى كما سلك ذاك نسلك نحن بحذائه لا نخاف أشواك هذه الحياة ..

أما العصا التى فى أيدينا فهى عصا الله ، الصليب ...



( 16 ) يعيدونه فريضة أبدية ع 14 ولا يأكل منه غريب ع 43 ، 48

إشترط ألا يشترك فيه أهل الغرلة ، إنما يشترك أهل الختان وحدهم ، هكذا لا يقدر أن يتمتع بالتناول من الأسرار المقدسة إلا الذى نال الختان الروحى ، أى المعمودية ، فصار إبنا لله له حق الأتحاد معه فى المسيح يسوع .



قتل الأبكار :

دفع المصريون ثمن ما فعلوه بقتلهم أولاد العبرانيين وإلقائهم فى النهر ، فأدبهم الرب بذات فعلهم . أما أولاد الله فحتى شعور رؤوسهم محصاة وتحت رعايته .

خروج الشعب :

إستدعى فرعون موسى وهرون وقال لهما : " قوموا أخرجوا من بين شعبى ... واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم . خذوا غنمكم أيضا وبقركم كما تكلمتم واذهبوا . وباركونى أيضا " ع 31 ، 32 وكان المصريون يلحون عليهم بالخروج ...

لقد طلب الشعب من المصريين ذهبا وفضة وثيابا فأعطوهم ، كان ذلك بسماح إلهى كتعويض عن الأجرة التى سلبها إياها المصريون أيام السخرة وبناء البيوت لهم مجانا ...



عدد الخارجين :

الذين خرجوا ستمائة ألف ماشين من الرجال عدا الأولاد ع 37

دعوتهم " ماش من الرجال " فتعنى أن الكنيسة فى حالة تحرك مستمر نحو السماء بروح الجهاد والمثابرة بلا يأس ، لا تعرف التوقف عند العبور .
+ + +


إشعياء – الإصحاح الرابع والأربعون
إنسكاب الروح والحياة الجديدة



يعتبر هذا الإصحاح تكملة للأصحاح السابق ، فيه يعلن الله عن تحقيق خلاصنا بسكب روحه القدوس على كنيسته لأجل تجديدها المستمر ، يقيم فيها شهودا له بعمله الداخلى فيهم ، يشبعهم ويقدسهم ، غافرا خطاياهم ، وذلك على خلاف الفراغ الداخلى الذى عانى منه الناس خلال العبادة الوثنية .

كأن الخلاص الذى يقدمه الله لشعبه يحمل اتجاهين : تأكيدا أن الله فيه كفايتنا ، البعد عنه سخافة وخداع للقلب .



( 1 ) انسكاب الروح

يحقق الله دعوته واختياره لإسرائيل الجديد بانسكاب روحه القدوس على المؤمنين ليقيم كنية العهد الجديد ، إذ يقول : " والآن اسمع يا يعقوب عبدى وإسرائيل الذى اخترته ، هكذا يقول الرب صانعك وجابلك من الرحم معينك . لا تخف يا عبدى يعقوب ويايشورون الذى أخترته ، لأنى اسكب ماء على العطشان وسيولا على اليابسة . أسكب روحى على نسلك وبركتى على ذريتك ، فينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجارى المياة ، هذا يقول : أنا للرب وهذا يكنى باسم يعقوب ، وهذا يكتب بيده للرب وباسم إسرائيل يلقب "

إش 44 : 1 – 5 .

يلاحظ فى هذه العطية العظمى الآتى :

( أ ) يشتاق الله أن يعطى ليس فقط بركاته وعطاياه الخارجية إنما أن يهب ذاته للإنسان :

" أسكب روحى على نسلك " ، يهب واهب العطايا ، ومانح البركة كهبة وعطية ..

( ب ) يدعو كنيسته " يشورون " ، وقد ظهر هذا الأسم أربع مرات فى العهد القديم ( تث 32 : 15 ، 33 : 5 ، 6 ) ، معناه " مستقيم " ، مشتقة من ياشر . وكأنه يدعو كنيسته التى ضمت الخطاة " مستقيمين " وذلك بفعل روحه القدوس . كانه يشجع شعبه على التجاوب مع عطية روحه القدوس فيتركوا انحرافهم وعصيانهم ويترنموا ببهاء الرب وجماله الروحى .

( جـ ) يقدم لنا عطية روحه القدوس الذى يعمل فينا حسب احتياجنا ، فمن كان ظمآنا يسكب له ماء ليرويه ، أما من كان كأرض يابسة فيفيض عليه سيولا لتحول اليبوسة والقفر إلى بستان . إنه سخى فى العطاء ، يهبنا حسب احتياجنا ، وقدر تجاوبنا معه . يقول :

" افغر فاك فأملأه " مز 81 : 10 .

( د ) ماذا يعنى : " ينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجارى المياة " ؟ ربما عنى أن المتمتع بعطية الروح القدس ينت كشجرة ضخمة بين عشب زائل .

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:58 pm

( هـ ) من يتمتع بالروح يكتب على يده : " للرب " ، إذ كانت العادة القديمة أن يكتب الإنسان اسم الإله أو سيده على يده كوشم ، وقد منع الله شعبه من ذلك حتى لا يكتبوا اسم الوثن على أيديهم عند انحرافهم فيصعب بل وكان مستحيلا إزالته .

" وباسم إسرائيل يلقب " ، إذ حملت كنيسة العهد الجديد المتمتعة بعطية الروح لقب

" إسرائيل الجديد " ، ورثت عن إسرائيل القديم الكتب المقدسة بما ضمته من شريعة إلهية ووصايا ونبوات وعهود ومواعيد .. لقد فهمت ذلك كله بالروح لا الحرف وأدركت أسرارا إلهية وتمتعت بأمور فائقة .

( 2 ) أنتم شهودى

المتحدث هنا هو السيد المسيح ، الصخرة التى أفاضت ماء على الشعب ( 1 كو 10 : 4 ) لذا يقول " أسكب ماء على العطشان " إش 44 : 3 ، وها هو يدعو نفسه " ملك إسرائيل وفاديه " إش 44 : 6 ، وقد اعترف أمام بيلاطس أنه ملك .

يدعو نفسه هنا " رب الجنود " ، " أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى " إش 44 : 6 . وفى سفر الرؤيا يقول السيد المسيح : " أنا هو الألف والياء ، البداية والنهاية " رؤ 1 : 8 ، " أنا هو الأول والآخر " رؤ 1 : 17 ، 22 : 13 . واضح أن الفادى رب الجنود الإله الوحيد الذى ليس إله غيره . هو المسيح المخلص .. هذه هى شهادة المتمتعين بخلاصه :

" فأنتم شهودى ، هل يوجد إله غيرى ؟‍ " إش 44 : 8 .



( 3 ) الوثنية والفراغ

بعدما تحدث عن عطية الروح العظمى التى قدمتنا شهودا للحق ، نعلن عن تمتعنا بالله مخلصنا كرب الجنود ، قائد المعركة الروحية ، ومشبع الكل بكونه الأول والآخر ، سند رجال العهد القديم وأيضا مؤمنى العهد الجديد .. الآن يقارن بين شهادة المؤمنين وشهادة عبدة الأوثان :

أ – الشهادة للمخلص تهب شبعا وارتواء وإثمارا : " لأنى أسكب ماء على العطشان وسيولا على اليابسة ..... فينبتون بين العشب مثل الصفصاف " إش 44 : 3 ، 4 .

أما الشهادة للأوثان فتقدم بطلانا وفراغا وجوعا مع عمى وجهل :
" الذين يصورون صنما كلهم باطل ، ومشتهياتهم لا تنفع ، وشهودهم هى ، لا تبصر ولا تعرف حتى تخزى " إش 44 : 9 .


ب – الشهادة للمخلص تهب سلاما : " لا تخف " إش 44 : 2 ؛ " لا ترتعبوا ولا ترتاعوا " إش 44 : 8 ، أما خوفه فخوف ورعدة " يجتمعون كلهم يقفون يرتعبون ويخزون معا " إش 44 : 11 .

لقد اجتمعت كل الطاقات معا ضده من رؤساء كهنة وكتبة وفريسيين وصدوقيين وولاة رومان الخ ... لكنهم حملوا رعبا وخوفا حتى فى لحظات الصلب والسخرية بالمصلوب ! أرعبهم شرهم الداخلى وفراغ قلبهم من النعمة الإلهية ، وثارت الطبيعة عليهم فانكسفت الشمس وانخسف القمر وحدثت زلازل وتشققت الصخور وقام كثير من الأموات !

جـ - يتمتع شهود الرب بالكرامة فيحسبون " إسرائيل الجديد " وينقشون اسم المخلص على أيديهم الداخلية ، وكأنهم لا يعملون إلا باسمه ( إش 44 : 5 ) ، أما شهود الخارجين عنه فيحملون عارا وخزيا ( إش 44 : 11 ) .



أخيرا ماذا تقدم عبادة الأوثان ( = اعتزال الله ) :

أ – عمى البصيرة الداخلية وظلمة داخلية ( إش 44 : 18 ) ـ بينما المسيح هو شمس البر ( ملا 4 : 2 ) .

ب – جهلا وعدم معرفة ( إش 44 : 19 ) ، بينما المسيح هو برنا .

جـ - جوعا فيأكل الإنسان رمادا ( إش 44 : 20 ) ، بينما السيد المسيح هو الخبز السماوى

د – كذبا وخداعا وتضليلا ( إش 44 : 20 ) ، بينما السيد المسيح هو الطريق والحق .

بمعنى آخر نجد فى مسيحنا الأستنارة الداخلية والمعرفة والشبع والحق وكل احتياجاتنا ، أما خارجه فلا يوجد إلا الفراغ الداخلى والشعور بالعزلة وفقدان البصيرة الداخلية .

( 4 ) أنت لى

أبرز بطلان العبادة الوثنية أو اعتزال الله ، لا للنقد العقلانى المجرد ، وإنما لإثارة النفس وحثها على قبول عمل الله الخلاصى ، الذى يتركز فى الآتى :

أ – إقامة شعب لله : " اذكر هذه يا يعقوب ، يا إسرائيل فإنك أنت عبدى " إش 44 : 21 ... رنا إسرائيل الجديد المتعبد لله .

ب – انتسابنا له : " لى أنت " إش 44 : 21 ، لسنا فقط خليفته وشعبه ، إنما يعتز الله بنا كأولاد له ، منسوبين إليه

جـ - غير منسيين منه ( إش 44 : 21 ) .

د – ننعم بغفران الخطايا مهما بلغت كثافتها : " قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك ، ارجع إلى لأنى فديتك " إش 44 : 22 .

هـ - يهب النفس ( السموات ) تسبيحا ، والجسد ( الأرض ) هتاف فرح ، وطاقاتنا ( الجبال ) ترنما ، ويصير كل ما فى داخلنا كأشجار تمجد الله ( إش 44 : 23 ) .

( 5 ) نبوة عن كورش :

قبل حوالى 220 سنة أعلن الله عما يتم على يدى كورش الوثنى لأجل بنيان أورشليم وتأسيس الهيكل حسب مسرة الله : " القائل عن كورش راعى ، فكل مسرتى يتمم ، ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس " إش 44 : 28 . هنا لأول مرة يذكر اسم " كورش " راحة ، معناه بالفارسى " شمس " ، وبالأرامية " راع " ، يرى البعض أن " راعى " لقب لبعض ملوك الشرق الأوسط قديما .

يذكر المؤرخ اليهودى يوسيفوس أن كورش قرأ فى إشعياء اسمه قبل 220 سنة وأراد أن يحقق ما ورد عنه ( راجع عزرا 1 : 2 ، 2 أى 36 : 23 ) .

ماذا يعنى بقوله : " القائل للجة انشفى وأنهارك أجفف " إش 44 : 27 ؟

أ – يصور أورشليم بلجة ماء ونهر لا يمكن أن يقام فيه الهيكل بعد ، وذلك حسب الفكر البشرى ، لأن اليهود فقدوا رجاءهم تماما أثناء السبى البابلى ، لكن الله الكلى القدرة والرعاية يجفف اللجج والأنهار محققا وعوده لنا .

ب – ربما يشير هنا إلى عبور بحر سوف ونهر الأردن ليؤكد أنه قادر أن يعبر بهم من السبى ويردهم إلى أرض الموعد .

جـ - ربما أشار إلى كورش الذى عبر الفرات واقتحم مملكة بابل .
+ + +


البولس من رو 2 : 12 – 24


الناموس والحياة العمليّة



تحوّل الناموس في حياة اليهود عن غايته الإلهية، فعِوض أن يكون علّة إدراكهم لخطاياهم وشعورهم بالحاجة إلى عمل الله الخلاصي، تحوّل إلى تشامخ وكبرياء بأنهم عارفو الحق ومعلموه، فصاروا ديّانين للأمم، الأمر الذي أسقطهم تحت دينونة الله. إذن فالناموس ليس غاية في ذاته، إنما يليق أن نحتضنه ونحفظه لا خلال المعرفة الفكرية النظرية، وإنما خلال معرفة الحياة العمليّة والخبرة المُعاشة يوميًا، فيصير علّة تكليلنا، لهذا يقول الرسول:

أولاً: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك، وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان" [12].

الناموس ليس مجالاً للافتخار بل للعمل، فإن كان الناموس يهب معرفة لوصية الله وإرادته، يلتزم أصحاب الناموس أن يمارسوا الوصيّة، وإلا سقطوا بالناموس تحت الدينونة، فيصيروا ليس كالأمميّين الذين يخطئون بدون الناموس يهلكون وإنما أشر منهم لأنهم يخطئون بمعرفة وهم تحت الناموس. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا لا يُظهر المساواة بين اليهودي والأممي فحسب، وإنما يوضّح كيف أثقل الناموس كاهل اليهودي. لأن الأممي يُدان بدون الناموس؛ هنا "بدون الناموس" تعبير عن تخفيف للعقوبة، إذ لا يقف الناموس شاهدًا عليه... إنما ينال جزاءه بناءً على منطق الطبيعة والعقل. أمّا اليهودي فيُدان بالناموس، أي تكون محاكمته بالطبيعة والمنطق وبجانبهما الناموس، لأن ما ناله من عناية يزيد من مسئوليته. تأملوا إلى أي مدى يجعل اليهودي يسرع بالضرورة نحو النعمة يستنجد بها. لأنهم أن احتجّوا بأنهم يكتفون بالناموس بلا حاجة إلى النعمة، يظهر لهم أنهم في حاجة إلى النعمة أكثر من الأمميّين، لأنه بالناموس يكون عقابهم أشد.]

يقول القدّيس أغسطينوس: [الذين لم يسمعوا الكلمة (كلمة الإنجيل) يدانون بطريقة غير التي يُدان بها الذين يسمعونها ويستخفون بها.]

يقول أيضًا أن الذين هم بلا ناموس يهلكون، الأمر الذي له صداه المرهب، أمّا الذين تحت الناموس، فيُدانون بمعنى أنهم بلا عذر، وتكون دينونتهم هي الهلاك، بهذا فدينونتهم أصعب.

ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا تكون العقوبات واحدة في كل الخطايا بل هي متعددة ومتنوعة حسب الأوقات والأشخاص ورتبهم وفهمهم وظروفهم... فإن ارتكب كاهن زنًا تكون عقوبته مضاعفة جدًا بسبب الكرامة التي نالها.]

ولعلّ الرسول قصد بذلك سقوط الكل تحت الدينونة، الأمم واليهود، ليُعلن حاجة الكل إلى الخلاص.

ثانيًا: من يُخطي في الناموس تكون عقوبته أشد، لأن الناموس أو المعرفة تشهد عليه في يوم الدين، لذلك فالناموس لا يُبرّر الإنسان لمجرد سماعه أو حفظه، وإنما بتنفيذه كله، الأمر الذي يحسب مستحيلاً على البشر، "لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبرّرون" [13].

لاحظ دقّة حديث الرسول بولس، إذ يقول: "هم أبرار عند الله"، فإن كثيرين يسمعون الناموس ويتلونه على لسانهم فيتبرّرون أمام الناس كمتديّنين، لكن الله لا يدين الإنسان حسب مظهره، إنما حسب برّ قلبه الداخلي. فبسماعنا للوصية يمكننا أن نخدع إخوتنا وربّما أنفسنا، لكن هل نقدر أن نتبرّر أمام الله؟

لقد طالبت الشريعة بالطاعة الكاملة (تث 4: 1؛ لا 18: 5)، وهو أمر مستحيل إذ لا يوجد إنسان بلا خطيّة... إذن فالحاجة ماسة إلى الذي يبرّر.

ثالثًا: في الوقت أظهر فيه الناموس كثقلٍ على اليهودي، إذ يكون شاهدًا عليه يوم الدين، معلنًا أن الاستماع له بالأذن دون القلب والعمل لن يبرّره أمام الله، رفع من شأن الأممي الذي لم ينل الناموس المكتوب، وإنما خلال الطبيعة جاهد ليمارس ما جاء فيه، إذ يقول: "لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، شاهدًا أيضًا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة، في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح" [14-16].

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً:

[كأنه يقول: أنا لا أرفض الناموس، لكنني بسببه أبرّر الأمميّين... مظهرًا أنهم أفضل منهم، بل يمتازون عنهم بعملهم الصلاح، مع أنهم لم يأخذوا الناموس الذي يتشامخ به اليهود. في هذا كان الأمميّيون جديرين بالإعجاب، لأنهم تمّموا صلاح الناموس بأعمالهم لا بكلمات سمعوها... انظروا إذن كيف يلوم اليهود هكذا هادمًا غرورهم، مظهرًا أن الأمميّين الذين سعوا باجتهاد لإتمام الناموس، مع أنهم بدون الناموس، هم أولى بالكرامة منهم. هنا تزداد عجبًا بحكمة الرسول الذي أظهر تفوق الأممي على اليهودي دون أن ينطق بذلك صراحة.]

[ولكي يزيد من مخاوفهم لا يكتفي بالقول: "خطايا الناس" بل يقول: "يدين الله سرائر الناس"، كي لا تظن أنه في مقدورك الهروب من دينونة الله... لأن الناس يقيمون القضاء لمحاكمة الأعمال العلنية (أما الله فيدين السرائر)... إذن ليدخل كل إنسان إلى أعماق ضميره ويحاسب نفسه بكل تدقيق، "لكي لا ندان مع العالم" (1 كو 11: 32)، لأن تلك المحاكمة رهيبة، وذلك الكرسي مخوف، والحساب يكون مرعبًا، لأن "الأخ لا يفدي" (مز 49: 8)،... ماذا يكون شعورنا حينما نقف أمام العالم بأسره وتعلن كل سرائرنا في مسرح مُضاء فسيح يضم من نعرفهم ومن لا نعرفهم؟]

ويرى ابن كاتب قيصر أنه يقصد بالأمم الذين ارتفعوا، بحياتهم مع الله، فوق اليهود هم "الآباء السابقون" قبل استلام الناموس الموسوي على يديّ موسى مثل إبراهيم وأيوب ويوسف، آمن إبراهيم بالله وقدّم ابنه ذبيحة مُحرقة، وقرّب أيوب عن بنيه ذبائح، خشية أن يكون أحدهم قد نطق بكلمة باطلة، أو أضمر في داخله ما يغضب الله (أي 1: 5)، ويوسف مارس حياة الطهارة ممتنعًا عن الشرّ لئلا يخطيء قدام الرب (تك39 : 5)... [هؤلاء عملوا بالطبيعة ما بالناموس ولم يحتاجوا إلى ناموسٍ مكتوبٍ، إذ لم يدعوا نيّاتهم تبكّتهم بل عملوا بما توجبه من الصلاح، وتركوا ما تنكره من القبائح، وهم في هذا ليسوا مثلنا نحن الذين تبكّتنا نيّاتنا وكتبنا.]

يُعلّق أيضًا ابن كاتب قيصر على العبارات السابقة موضحًا أن أفكارهم مشتكية [15]. بمعنى أنها توبّخهم أن فعلوا أمرًا غير حسن، إذ كانت تقوم مقام الناموس.

ويرى الأب سيرينوس في هذه العبارة تأكيدًا لسلطان الإنسان على فكره، وإلا ما كانت أفكارنا وضمائرنا تشتكي علينا، إذ يقول: [إذا ما جاهدنا كبشر ضد الاضطرابات والخطايا، تصير هذه تحت سلطاننا وفق إرادتنا، فنحارب أهواء الجسد ونهلكها، ونأسر حشد خطايانا تحت سلطاننا، ونطرد من صدورنا الضيوف المرعبين، وذلك بالقوّة التي لنا بصليب ربنا، فنتمتع بالنصرة التي نراها في مثال قائد المئة (مت 8: 9) روحيًا.]

ويرى الأب يوسف في هذه العبارة إعلانًا عن [أن نية الإنسان هي التي تجعله يُكافأ أو يعاقب.]

ويُعلّق العلامة أوريجينوس على التعبير: "حسب إنجيلي" [16]، قائلاً: [الآن ليس لدينا عمل كتابي لبولس يدعى إنجيلاً، وإنما كل ما كرز به وما قاله هو الإنجيل، وما كرز به وما قاله كان أيضًا في حكم المكتوب؛ وما كتبه كان الإنجيل. وإن كان ما كتبه بولس إنجيلاً، فإن ما كتبه بطرس أيضًا هو إنجيل؛ وفي كلمة كل ما قيل أو كُتب ليُخلِّد معرفة حلول المسيح على الأرض، ويهيء لمجيئه الثاني أو ليقدّم ذلك كحقيقة قائمة في تلك النفوس التي تريد أن تتقبّل كلمة الله الواقف على الباب يقرع ويطلب أن يدخل فيها.]

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 5:59 pm

الناموس والتعليم



عرض الرسول بولس في الأصحاح السابق شرور الأمم مؤكدًا حاجتهم لنعمة الله المجانية لكي تسندهم وتدخل بهم إلى خلاص الله. أمّا في هذا الأصحاح فإذ يوجّه الحديث لليهود يكشف لهم أنهم أكثر احتياجًا إلى النعمة الإلهية من الأمم، إن صح هذا التعبير. فإن الناموس الذي وُهب لهم لمعاونتهم استخدموه في إدانة الآخرين لا في توبتهم، وعِوض العمل به اكتفوا بالاستماع إليه، الأمر الذي جعل بعض الأمميّين المجاهدين داخليًا في ممارسة الحياة النقيّة يسبقونهم، إذ فعلوا خلال الطبيعة والمنطق بما هو في الناموس، فظهر الناموس مكتوبًا في قلوبهم وضميرهم وأفكارهم، بينما بقي أصحاب الناموس يسمعون له بآذانهم دون قلوبهم أو سرائرهم الداخليّة. والآن لكي يوضّح الرسول بشاعة ما بلغ إليه اليهود، يُعلن أنهم عِوض أن يكرزوا بالناموس حيًا في حياتهم، صاروا معلّمين به بالكلام ومقاومين له بالعمل. حسبوا أنفسهم قادة الفكر الروحي، ونورًا للعالم، ومهذِّبين للأغبياء، ومعلِّمين للأطفال، لهم صورة العلم والحق في الناموس، بينما تُقدّم حياتهم وسلوكهم خلاف هذا تمامًا.

ويلاحظ في هذا الحديث الآتي:

أولاً: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يستخدم أسلوبًا يناسبهم كأناس يدعون العلم والمعرفة، ويقيمون أنفسهم كمعلِّمين للعالم، يتهكَّمون بالكل ويسخرون بهم، إذ يقول:

[إنه لا يقول: "هوذا أنت يهودي"، إنما "هوذا أنت تسمى يهوديًا"، "وتفتخر بالله" [17]، أي تظن أنك محبوب لدى الله، ومكرم فوق جميع الناس. يُخيَّل إليّ أنه هنا يسخر برفق بقلّة منطقهم، وجنون شهوتهم وراء المجد، إذ أساءوا استخدام هذه العطية، فعِوض استخدامها كوسيلة لخلاصهم جعلوها علّة للتشامخ على الآخرين والازدراء بهم... كما يقول: "تثق أنك قائد للعميان"، وهنا أيضًا لا يقول: "أنت قائد" بل "تثق أنك قائد" بمعنى أنك تنتفخ، وهذا لأن كبرياء اليهود كان متشامخًا جدًا. يستخدم معهم ذات الكلمات المتداولة بينهم، والتي كانوا يردّدونها في زهوِهم. اسمعوا ما يقولونه في الإنجيل: "في الخطيّة وُلدتِ أنت بجُملتك وأنت تعلمنا" (يو 9: 34). بهذا الاستخفاف المتعالي كانوا يتطلّعون إلى جميع الناس.]

[يستخدم الرسول ذات كلماتهم: "قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذّب للأغبياء، ومعلم للأطفال"، الألفاظ التي كان اليهود يطلقونها على من يتتلمذون لهم. تكراره هنا للعبارات هدفه أن يدركوا أن ما زعموه ميزة يفتخرون به هو علّة دينونتهم بالأكثر.]

ثانيًا: إن كان يليق بالمعلم الروحي أن يكون بالحق قائدًا للعميان، ونورًا للذين في الظلمة، ومهذبًا للأغنياء، ومعلمًا للأطفال، لكنه لا يمارس هذا بذاته، بل بالله نفسه الذي يعمل في خدامه، إذ يدخل إلى قلوب المخدومين فيقودها بنفسه ويضيء في داخلها ويهذّبها ويدرّبها كأطفال صغار. وقد جاء السيد المسيح متجسدًا ليقوم بهذا الدور التربوي الروحي، لا خلال تقديم وصايا فحسب، وإنما بتغيير القلب وتجديده على الدوام.

+ معلم الأطفال الكامل صار طفلاً بين الأطفال لكي يهب حكمة للأغنياء.
القدّيس كيرلس الأورشليمي



ثالثًا: لا يقف الرسول عند استخدام تعبيراتهم ذاتها لتوبيخهم، لأنهم احتلّوا مركز المعلِّمين للعالم الوثني وهم لا يمارسون شيئًا ممّا يعلمون به، وإنما انتقل بهم إلى اتهامهم أنهم يهينون الله نفسه الذي يظنون أنهم يعلمون الآخرين عنه. إذ يقول: "فأنت إذن الذي تعلم غيرك، ألست تعلم نفسك؟ الذي تكرز ألا يُسرق، أتسرق؟ الذي تقول أن لا يُزنى، أتزني؟ الذي تستكره الأوثان، أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس تهين الله؟" [21-23].

اهتم معلمو اليهود بالوعظ دون الحياة، ففقدت الكلمة قوّتها، لهذا يحث الرسول بولس تلميذه تيموثاوس الأسقف: "كن قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبّة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة، إلى أن أجيء أعكف على القراءة والوعظ والتعليم... لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك، لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا" (1 تي 4: 12-13، 16).

+ من يقوم بدور قيادي يلزم أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم



رابعًا: لا يقف الأمر عند إهانتهم لله خلال تعليمهم بشيءٍ وسلوكهم بآخرٍ، وإنما يستند الرسول إلى الأنبياء ليكيل لهم اتهامًا جديدًا: "لأن اسم الله يجدف عليه بسببكم بين الأمم" [24] (إش 52: 5؛ حز 36: 20، 23؛ 2 صم 12: 24).

وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [اليهود لا يتوقحون على الله فحسب، بل يدفعون الآخرين على ذلك... يدفعونهم إلى التجديف.]

ولكي لا نسقط نحن في ذات هذا الخطأ علمنا ربنا يسوع أن نصلّي قائلين: "ليتقدّس اسمك"، فإنه لا يوجد حلُ وسط إمّا أن يتقدّس اسم الله فينا، أو يجدف عليه بسببنا.

v اسم الله قدوس بطبيعته، قلنا أو لم نقل، لكنه أحيانًا يتدنس بين الخطاة... لذلك نصلّي أن يتقدّس اسم الله، لا بأن يصير مقدسًا كما لو كان غير مقدَّس، وإنما أن يتقدّس فينا عندما نتقدّس نحن ونعمل ما يليق بالقداسة.
القدّيس كيرلس الأورشليمي





+ + +


إنجيل القداس لو 11 : 45 – 52


45 فاجاب واحد من الناموسيين و قال له يا معلم حين تقول هذا تشتمنا نحن ايضا
46 فقال و ويل لكم انتم ايها الناموسيون لانكم تحملون الناس احمالا عسرة الحمل و انتم لا تمسون الاحمال باحدى اصابعكم
47 ويل لكم لانكم تبنون قبور الانبياء و اباؤكم قتلوهم
48 اذا تشهدون و ترضون باعمال ابائكم لانهم هم قتلوهم و انتم تبنون قبورهم
49 لذلك ايضا قالت حكمة الله اني ارسل اليهم انبياء و رسلا فيقتلون منهم و يطردون
50 لكي يطلب من هذا الجيل دم جميع الانبياء المهرق منذ انشاء العالم
51 من دم هابيل الى دم زكريا الذي اهلك بين المذبح و البيت نعم اقول لكم انه يطلب من هذا الجيل
52 ويل لكم ايها الناموسيون لانكم اخذتم مفتاح المعرفة ما دخلتم انتم و الداخلون منعتموهم






+ + +

إذ أبرز خطورة الرياء ومحبَّة المال وحب الكرامات الزمنيَّة على الحياة الروحيَّة الداخليَّة، وجَّه حديثه نحو ناموسي ليُحذره من فكره الحرفي الناموسي، الذي بلا روح، إذ يقول الإنجيلي:

"فأجاب واحد من الناموسيِّين، وقال له:

يا معلِّم، حين تقول هذا تشتمنا نحن أيضًا.

فقال: وويل لكم أنتم أيضًا أيها الناموسيِّون،

لأنكم تُحمِّلون الناس أحمالاً عسرة الحمل،

وأنتم لا تمسُّون الأحمال بإحدى أصابعكم" [45-46].

يرى القدِّيس كيرلس الكبير أنه كان يليق بهذا الناموسي إذ سمع كلمات المخلِّص وشعر أنها تمس ضعفاته، أن يأتي بروح التواضع مقدِّما التوبة، كمريضٍ يطلب الشفاء من الطبيب، قائلاً: اِشفني يا رب فأُشفَى، خلِّصني فأخلُص" (إر 17: 14)... لكن هذا الناموسي تقدَّم للمخلِّص يتهمه أنه بهذا الحديث عن الفرِّيسيِّين يشتم الناموسيِّين أيضًا، وكأنه قد ثار لكرامته عوض طلب الخلاص من ضعفاته.

لقد اِشترك الفرِّيسيُّون مع الناموسيُّين في كثير من الأخطاء. كان الفرِّيسيُّون يعتزلون الشعب كطبقة دينيَّة أرستقراطيَّة، أما الناموسيُّون فيحسبون أنفسهم معلِّمي الناموس، يجاوبون على الأسئلة الخاصة بالناموس أو الشريعة. وقد حمل الفريقان روح العجرفة والكبرياء، ولهم صورة التقوى دون روحها.

كشف السيِّد المسيح عن جراحات الناموسيِّين بقوله: "ويل لكم أيها الناموسيُّون، لأنكم تُحمِّلون الناس أحمالاً عسرة الحمل، وأنتم لا تمسُّون الأحمال بإحدى أصابعكم"[46].

يقول القدِّيس كيرلس السكندري:

[كان الناموس بالنسبة للإسرائيليِّين محزنًا كما اِعترفوا، وقد عرف التلاميذ اللاهوتيُّون ذلك، إذ انتهروا الذين سعوا لإرجاع الذين آمنوا إلى الطقوس الناموسيَّة، قائلين: "فالآن لماذا تجُرِّبون الله بوضع نيرٍ على عنق التلاميذ لم يستطع آباؤنا ولا نحن إن نحمله؟" (أع 15: 10)... وقد علِّمنا المخلِّص نفسه ذلك، إذ صرخ قائلاً: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. اِحملوا نيري عليكم وتعلَّموا منِّي، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لأنفسكم" (مت 11: 28-29). إذن يقول بأن الذين تحت الناموس هم تعابى وثقيلوا الأحمال، بينما يدعو نفسه وديعًا لأنه ليس في شخصه شيئًا من الناموس. وكما يقول بولس: "من خالف ناموس موسى، فعلى شاهديْن أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة" (عب 10: 28). إذن ويل لكم أيها الناموسيُّون- كما يقول- لأنكم تُحمِّلون من هم تحت الناموس أحمالاً عسِرة الحمل، وأنتم لا تمسُّون الأحمال. لأنهم بينما يأمرون بالتزام حفظ وصايا موسى بلا كسر للوصيَّة، ويحكمون بالموت على من يستهين بها، إذا بهم لا يُبالون بتحقيق أصغر الوصايا الهيِّنة. وإذ كان ذلك أمرًا عاديًا قال الحكيم بولس موبِّخًا إيَّاهم: "هوذا أنتَ تُسمَّى يهوديًا، وتتكل على الناموس، وتفتخر بالله، وتعرف مشيئته، وتميِّز الأمور المتخالفة متعلِّمًا من الناموس، وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة، ومهذب للأغبياء، ومعلِّم للأطفال، ولك صورة العلم والحق في الناموس، فأنت إذًا الذي تعلِّم غيرك ألست تعلِّم نفسك؟ الذي تكرز ألا يُسرق أتسرق؟ الذي تقول أن لا يُزني، أتزني؟ الذي تستكره الأوثان، أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس، أبتعدِّي الناموس تُهين الله؟" (رو 2: 17-23). فإن المعلِّم يُحتقر وتسوء سمعته حينما يكون سلوكه غير متَّفق مع كلماته.]

يُعلِّق الأب ثيوفلاكتيوس على كلمات السيِّد ضد الناموسيِّين، قائلاً: [بحق قيل أنهم لا يريدون أن يلمسوا أحمال الناموس بإحدى أصابعهم، بمعنى أنهم لا يُتمِّمون أقل نقطة في الناموس، بينما يظهرون كمن يحفظونه ويسلِّمونه محفوظاً للآخرين، فهم يسلكون على نقيض آبائهم بدون إيمان وبغير نعمة المسيح.]

يقول القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص: [أنهم قضاة قاسون على الخطاة مع أنهم مصارعون ضعفاء، يحمِّلون أثقال وصايا الناموس وهم واهنون في حملها، لا يرغبون في الاقتراب إليها أو لمسها خلال الحياة الجادة.]

لم يقف أمر الناموسيِّين عند التمسُّك بالحرف القاتل دون روح الوصيَّة، فجعلوا من الناموس ثقلاً يئن تحته البشر، بينما يجدون لأنفسهم مبرِّرات للهروب حتى من لمس أصغر الوصايا. لم يقفوا عند حدّ الادعِّاء بالمعرفة والتعليم دون الممارسة للحياة الفاضلة، لكنهم صنعوا ما هو أيضًا مرّ وقاسي، فإنهم يبنون قبور الأنبياء ويزيِّنونها، لينالوا مجدًا من الناس. وهم لا يدركون أنهم بهذا يشهدون على أنفسهم أنهم أبناء قتلة الأنبياء، يكملون عمل آبائهم. بقتل الوارث نفسه أو المسيَّا المخلِّص، ما حدث في الماضي يرتبط بالحاضر والمستقبل إذ كان الصليب حاضرًا في عيني السيِّد، ويرى أياديهم تمتد لسفك دمه البريء. بهذا يشترك معاصرو السيِّد المسيح في جريمة آبائهم الخاصة بقتل جميع الأنبياء من دم هابيل إلى دم زكريَّا الذي أُهُلك بين المذبح والبيت.

يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [آباؤهم قتلوا الأنبياء، وإذ آمنوا أنهم أنبياء قدِّيسون صاروا قضاه ضد الذين قتلوهم. لقد صمَّموا أن يكرموا الذين حُكم عليهم بالموت، وبتصرُّفهم هذا أدانوا من أخطاؤا . ولكن الذين أدانوا آباءهم على جرائمهم القاسية كانوا في طريقهم أن يرتكبوا جرائم مشابهة، بل وأبشع منها، إذ قتلوا رئيس الحياة، مخلِّص الجميع، وأضافوا إلى جريمة قتلهم له جرائم أخرى. فقد أُقتيد استفانوس للموت، ليس لاتهامه بشيء دنيء، وإنما لأنه نصحهم وتحدَّث معهم ممَّا ورد في الكتب الموحَى بها. وجرائم أخرى ارتكبت بواسطتهم ضد كل قدِّيس كرز بالإنجيل رسالة الخلاص. هكذا برهن الناموسيُّون والفرِّيسيُّون بكل طريقة أنهم مبغضو الله ومتكبِّرون ومحبَّون للملذَّات أكثر من حبِّهم الله، وبكل وسيلة يكرهون الخلاص لأنفسهم، لذلك أضاف السيِّد كلمة " الويل" لهم على الدوام.]

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يُصلح حال اليهود خلال الأخطاء الماضيَّة، بل عندما رأوا الآخرين يخطئون ويعُاقَبون لم ينصلحوا إلى ما هو أفضل، بل ارتكبوا مثلهم نفس الأخطاء، ومع ذلك فلا يُعاقب إنسان على خطايا الآخرين.] بمعنى آخر لا يستطيعون أن يقدِّموا عُذرًا بعدم مسئوليَّتهم عمَّا فعله آباؤهم، لأنهم وإن كانوا لا يُدانون على ذلك فهم يرتكبون ذات شرّ آبائهم.

ماذا يعني بقوله: "من دم هابيل إلى دم زكريَّا، الذي أهُلك بين المذبح والهيكل"[51]؟

في عصر القدِّيس جيروم وُجد ثلاثة آراء من جهة زكريَّا هذا، إما زكريَّا النبي أحد الأنبياء الصغار، أو زكريَّا والد يوحنا المعمدان، أو زكريَّا بن يهوياداع (1 أي 14: 21)، وقد رجَّح القدِّيس الرأي الثالث. أما القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص فيرى أنه زكريَّا والد يوحنا المعمدان. فإن أخذنا برأي القدِّيس جيروم والذي يرجِّحه كثير من الآباء، فإن هابيل قُتل في الحقل بينما قتل زكريَّا في ساحة الهيكل. وكأن دماء الشهداء التي بذُلت ظلماُ قد ملأت الأماكن العامة كما في داخل مقدَّسات الرب نفسه. أيضًا إن صح اعتبار هابيل ليس بكاهن بينما كان زكريَّا كاهنًا، فإن الشهداء قد اِنضم إلى صفوفهم من كان من الشعب، وأيضًا من كان من الكهنة!

يختم السيِّد المسيح ويلاته للناموسيِّين بقوله: "ويل لكم أيها الناموسيُّون، لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم" [52].

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [ينتهر الرب اليهود، ويعلن أنهم مستحقُّون الدينونة العتيدة، لأنهم بينما أخذوا على عاتقهم تعليم المعرفة الإلهيَّة للآخرين إذ بهم يعوقونهم، لأنهم هم أنفسهم لا يعترفون بما يُعلِّمون به.]

يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [الذين يبحثون في الكتب المقدَّسة، ويعرفون إرادة الله، إن كانوا أناسًا فاضلين وغيورين على صلاح الناس، ومهرة في قيادتهم قيادة سليمة في كل أمر عجيب، يكافئون بكل بركة إن تمَّموا واجباتهم بغيرة. هذا ما يؤكِّده المخلِّص بقوله: "فمن هو العبد الأمين الحكيم الذي أقامه سيِّده على خدَمِه ليعطيهم الطعام في حينه، طوبى لذلك العبد الذي إذا جاء سيِّده يجده يفعل هذا، الحق أقول لكم أنه يُقيمه على جميع أمواله" (مت 24: 45-47). أما إن كان متراخيًا ومهملاً ومعثرًا لمن هم في عهدته، فينحرفون عن الطريق المستقيم، مثل هذا يكون بائسًا ويسقط في خطر العقوبة بلا رجاء. مرَّة أخرى يقول المسيح نفسه: "من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يُعلَّق في عنقه حجر الرحي ويغُرَّق في لُجَّة البحر" (مت 18: 6). هكذا برهن المسيح للذين حسبوا أنفسهم مهرة في الناموس أنهم يرتكبون أخطاء جسيمة كهذه، أقصد بهم الكتبة والناموسيِّين. إذا قال لهم "ويل لكم أيها الناموسيِّين لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة..." نفهم مفتاح المعرفة أنه الناموس ذاته، والتبرير بالمسيح أقصد الإيمان به. فمع كوْن الناموس ظلاً ورمزًا، فإن هذه الظلال تشكِّل لنا الحق وهذه الرموز تصوِّر لنا سرّ المسيح بطرق متعدِّدة... فإن كل كلمة في الكتاب المقدَّس الإلهي الموحَى به تنظر إليه وتشير نحوه... فكان من واجب الذين يُدعون ناموسيِّين بكونهم يدرسون ناموس موسى وعارفين لكلمات الأنبياء القدِّيسين، أن يفتحوا أبواب المعرفة لجماهير اليهود. لأن الناموس يقود البشر إلى المسيح وإعلانات الأنبياء التقويَّة تقود إلى التعرُّف عليه... لكن هؤلاء الذين دُعوا ناموسيِّين لم يفعلوا ذلك، بل على العكس أخذوا مفتاح المعرفة الذي به يُفهم الناموس والإيمان المُحق بالمسيح، لأنه بالإيمان معرفة الحق، كما يقول إشعياء "إن لم تؤمنوا فلا تفهموا" (إش 7: 9)... لقد أخذوا مفتاح المعرفة، إذ لم يسمحوا للناس أن يؤمنوا بالمسيح مخلِّص الجميع.]

أخيرًا إذ فضح الرب جراحات الكتبة والفرِّيسيِّين ابتدءوا "يحنِقون جدًا ويصادرونه على أمور كثيرة. وهم يراقبونه طالبين أن يصطادوا شيئًا من فمه ليشتكوا عليه"[53-54].

لقد أراد لهم الشفاء من جراحات النفس الداخليَّة، لكنهم في جهالة اِزدادوا مقاومة خلال قسوة القلب إذ حنقوا جدًا، وفساد الإرادة، إذ صاروا "يصادرونه"، وخلل العقل إذ صاروا يراقبونه بكل فكرهم ليقتنصوا له خطأ من فمه. يهذا أعلنوا بالأكثر فسادهم الداخلي عاطفيًا وإراديًا وفكريًا.

+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:01 pm

اليوم الرابع ( الخميس ) من الأسبوع السادس من الصوم الكبير


قراءات باكر
قراءات القداس

2 مل 4 : 8 – 41

أم 9 : 1 - 11
مز 9 : 13



لو 20 : 9 - 19

1 تى : 2 : 1 – 3 : 4

يهوذا 1 : 19 - 25

أع 27 : 16 - 20

مز 9 : 13 ، 14

يو 6 : 47 - 71



البولس من تيموثاوس الأولى 2 : 1 – 3 : 4
العبادة الكنسية العامة



بعدما كشف الرسول لتلميذه عن مفهوم الوصية كموضوع الرعاية لكي يتسع قلبه بالحب لخدمة الجميع خاصة الأشرار، فلا ينشغل بالمباحثات الغبية، بل بخدمة الحب العملي، باذلاً كل الجهد كجندي روحي صالح، بدأ يحدثه عن العبادة الكنسية الجماعية.

1. الصلاة من أجل كل البشرية ١ - ٧.

2. إرشادات للرجال في العبادة ٨.

3. إرشادات للنساء في العبادة ٩ - ١٥.


1. الصلاة من أجل كل البشرية



"فاطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس" [١].

يكشف الرسول بولس عن رسالة الكنيسة، سواء على المستوى المسكوني أو المحلي، أو على مستوى كل عضوٍ فيها. فإن الكنيسة ليست مؤسسة تنافس العالم فيما له، لكنها أولاً وقبل كل شيء هي جماعة متعبدة لله لأجل تقديس العالم، تقدم الطلبات والصلوات والابتهالات والتشكرات عن جميع الناس.

الشكر هو عرفان بالجميل مع صلاة بسبب عطية الله وبركاته. وجاء حديث السيد المسيح مع أبيه مثلاً فريدًا، إذ يحمده لأجل عطاياه التي يقدمها للبسطاء، إذ يقول الكتاب:

"في ذلك الوقت أجاب يسوع وقال: أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (مت ١١: ٢٥).

ماذا يعني الرسول بقوله "أول كل شيء" [1]؟ أي في الخدمة اليومية وكما تعرفون كيف نقدم صلوات يومية في المساء والصباح من أجل العالم كله، عن الملوك وكل من هم في منصب.

يكشف لنا هذا النص عن ممارسة الكنيسة لليتورچيات جماعية صباحية ومسائية، فيها تبتهل الكنيسة عن الملوك (الرؤساء) ومن هم في مراكز قيادية مع بقية الابتهالات عن كل البشرية. ونحن نجد في القداس الباسيلي الصلاة عنهم كجزء من الصلاة من أجل سلام الكنيسة قبل صلاه الصلح، وفي القداس الغريغوري تقدم أوشية خاصة بالملك (الرؤساء) والعاملين في البلاط (القصر) وجميع العاملين في الدولة والجند لأجل سلامهم.

"لأجل الملوك، وجميع الذين هم في منصب،

لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار" [2].

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم إن كان يمكن الصلاة من أجل ملك وثني أثناء الاحتفال بالأسرار الإلهية؟ ويجيب قائلاً: [لقد أظهر الرسول فائدة ذلك بقوله: "لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة". وكأنه يقول إن سلام (المسئولين) هو آمان لنا. وفي رسالته إلى أهل رومية يأمرهم بالطاعة للحكام "ليس بسبب الغضب فقط بل أيضًا بسبب الضمير" (رو ٣: ٥)، فقد أقام الله الحكومة لأجل الصالح العام... ليس في تملقٍ، وإنما نطيع في اتفاق مع أحكام العدل. فإنهم إن لم يكونوا محفوظين ومنتصرين في الحروب ترتبك أمورنا حتمًا وندخل في متاعب، وإن هلكوا نتشتت.]

ماذا يعني الرسول بقوله: "لكي نقضي حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار"؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا السؤال قائلاً بأنه يوجد ثلاث أنواع من الحروب: حرب تنشأ عن هجمات جيوش غريبة ضدنا، وحرب تثور فيما بيننا، والثالثة الحرب التي تنشأ داخل الإنسان نفسه. ويرى القديس أن هذه الطمأنينة وها الهدوء المذكور هنا يشير إلى هدوء النفس الداخلي، والراحة من جهة الحرب الثالثة، لذا يكمل الرسول "في كل تقوى ووقار". إن صلواتنا وطلباتنا من أجل جميع الناس وطاعتنا الصادقة للمسئولين تعطي سلامًا في القلب الداخلي كأبناء يحملون سمات عريسهم المحب المطيع! علاقتنا مع الآخرين لا تقوم على أساس نفعي مادي أو أدبي، ولا على أساس الخوف، وإنما على أساس إلهي، حيث نلتقي مع الجميع ونعمل على راحة الجميع من أجل الله محب البشر.

يكمل الرسول: "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" [3-٤]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [ما هو هذا المقبول؟ الصلاة من أجل جميع الناس! هذا هو المقبول لدى الله، هذه هي إرادته!... تمثل بالله، فإنه يريد أن جميع الناس يخلصون! وها هو سّر صلاة الإنسان من أجل الجميع! إن كان الله يريد أن جميع الناس يخلصون، فلترد أنت أيضًا هذا! وإذ تكون هذه هي إرادتك، فصلِ لكي تتحقق هذه الإرادة، فإن الإرادة (الرغبة) تقود إلى الصلوات.]

يربط الرسول بين الصلوات الكنسية العامة وما تحمله من حبٍ خالص نحو كل البشرية ووساطة السيد المسيح الكفارية لدى الآب عنا جميعًا، قائلاً: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية، لأجل الجميع الشهادة في أوقاتها الخاصة" [ ٥-٦].

لعل الرسول بولس أراد أن يؤكد أن اتساع قلبنا بالحب نحو البشرية ليس من عندياتنا، وإنما يتحقق فينا خلال اتحادنا بالوسيط الواحد الذي لم يقدم مجرد صلوات لفظية عن البشرية، لكنه تجسد وتألم ليفدي الكل! إن سمة الحب التي لنا في عبادتنا الجماعية الكنسية الشخصية هي سمة السيد المسيح نفسه "الإله الواحد" الذي صار "الإنسان" ليفتدي الكل!

يليق بنا أن نقف قليلاً عند كلمات الرسول بولس هنا، التي شغلت فكر الكنيسة الأولى وابتلعت مشاعر الآباء وهزت أعماقهم الداخلية.

من جهة لم يكن مجال الحديث هنا مهاجمة وساطتنا لبعضنا البعض بالحب لدى الله، وإنما كما نعلم أن الغنوسيين آمنوا بوجود انبثاقات متتالية بدأت من الكائن الأعظم وانتهت إلى مجيء السيد المسيح، هذه الانبثاقات هي أيونات تقدم المعرفة كطريق الخلاص. ففي نظرهم ينطلق الغنوسي خلال المعرفة إلى يسوع الذي يرفعه بالمعرفة أيضًا إلى أيون أعظم، وهذا يرفعه إلى ثالث أعظم، وهكذا يرتفع على سلم الأيونات حتى يبلغ بالمعرفة الكاملة إلى الكائن الأعظم. والرسول هنا يؤكد أن الحق الذي يريد الله أن يُقبل إليه جميع الناس [4] هو الإيمان بالآب الواحد الذي أرسل ابنه الوحيد الوسيط الكفاري الوحيد ليصالح البشرية المؤمنة معه، هادمًا بهذا فكرة الأيونات الغنوسية.

بهذا لا يمكننا بتر هذه العبارة عن مجالها الكامل ليستشهد بها البعض في إنكار الشفاعة أو صلوات الكنيسة عن بعضها البعض، سواء بالنسبة للأعضاء الراقدة في الرب أو المجاهدة على الأرض. فإن هذا انحراف بعيد عن فكر الوحي الإلهي. إنما ما أراد الوحي تأكيده هو عمل المسيح الفريد في خلاصنا ومصالحتنا مع أبيه، الأمر الذي لن يمكن لكائنٍ سماوي أو بشري القيام به!

يؤكد الرسول "إله واحد"، ليعود فيقول: "الإنسان يسوع المسيح". وكأنه لا طريق للمصالحة إلاَّ بالتجسد الإلهي.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:02 pm

إذ حمل طبيعتنا لم يقدم الوساطة عنا بالكلام وإنما بالعمل، باذلاً حياته خلال الصليب، إذ يكمل الرسول: "الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع الشهادة في أوقاتها الخاصة" [٦]. لقد قدم حياته فدية لصالح البشرية كلها مع الآب. هذه هي المصالحة العملية التي دفع ابن الله المتأنس ثمنها. هنا مرة أخرى يقول "لأجل الجميع" لينزع الثنائية الغنوسية في حياة المؤمنين: أي وجود الكاملين والبسطاء.

لقد قدم السيد حياته فدية حتى من أجل الوثنيين. لهذا نلتزم نحن بتقديم الصلوات من أجل الجميع والحب للكل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بلا شك مات المسيح حتى من أجل الوثنيين، فهل تقدر أن لا تصلي من أجلهم؟] بهذا الحب العملي الشامل قدم الابن الوحيد الشهادة الحقة للحب الإلهي في الوقت المناسب.

هذا العمل الإلهي والشهادة الماسيانية خلال الفداء المقدم عن الجميع هو موضوع كرازة الرسول، إذ يقول: "التي جعلت أنا لها كارزًا ورسولاً. الحق أقول في المسيح ولا أكذب، معلمًا للأمم في الإيمان والحق" [ ٧]. لقد تفرغ الرسول بولس للكرازة بالخلاص لجميع الأمم، إذ امتدت نعمة الله لتشمل جميع البشرية. لقد صار معلمًا للأمم في الإيمان والحق. إن كان الإيمان قد امتد خارج دائرة اليهود، لذا صار الحق أو المعرفة غير قاصرة على فئة دون أخرى.

في اختصار نقول إن المبدأ الأساسي في عبادتنا الجماعية والشخصية هو اتساع القلب بالحب ليضم كل البشرية، نصلي للجميع ونطلب خلاص الكل.
2. إرشادات للرجال في العبادة



"فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان،

رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال" [8].

يطلب الرسول من الرجال أن يرفعوا أياديهم طاهرة عندما يصلون في كل مكان، أي في الاجتماعات الكنسية العامة كما في العبادة العائلية وأيضًا في المخدع

الصلاة في كل مكان لا تتنافى مع وصية السيد المسيح الخاصة بالصلاة في المخدع، الأولى تعني الصلاة بلا حدود مكانية حيث يتسع القلب بالحب للصلاة في كل موضع من أجل الجميع، والثانية تعني تقديم الصلاة بعيدًا عن المجد الباطل وحب الظهور.

هذه الوصية لا تخص الرجال وحدهم إنما هي وصية للكنيسة كلها، رجال ونساء، أطفال وشيوخ، شباب وفتيان. الكل ملتزم أن يحيا بروح الرجولة أي النضوج الروحي، فيبسط كل مؤمنٍ يديه الداخليتين كما بسط السيد المسيح يديه على الصليب بالحب لينزع كل غضب عن البشرية.

ماذا تعني الأيدي الطاهرة إلاَّ الحياة العاملة خلال تقديس الروح. فالصلاة وإن كانت تصدر عن القلب في الداخل ومن الفم من الخارج، لكن لا يمكن أن تُقبل ما لم تتحد بالعمل الروحي والجهاد الحق في المسيح يسوع. يلزم أن يرافق عملنا الروحي صلواتنا وتسابيحنا للرب!
3. إرشادات للنساء في العبادة



إذا كان الرجل - بل كل نفس ناضجة روحيًا - يلزمه أن يتمثل بالسيد المسيح فيبسط يديه كما على الصليب بالطهارة الداخلية ليطلب لا بالكلام فحسب وإنما أيضًا بالعمل، في حب بلا جدال أو غضب، فإنه يلزم بالمرأة - وكل نفس صارت كعروس للسيد - أن تهتم في عبادتها بالزينة الداخلية لتفرح قلب عريسها السماوي. يقول الرسول بولس: "وكذلك أن النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتعقل، لا بضفائر أو ذهب أو لآليء كثيرة الثمن، بل كما يليق بنساء متعاهدات بتقوى الله بأعمال صالحة" [ 9-١٠].

بعد هذا تحدث عن التزام المرأة بالاحتشام الداخلي الروحي وعدم المبالغة في الزينة الخارجية خاصة أثناء العبادة الكنسية، تكلم عن صمتها في الكنيسة وعدم قيامها بتعليم الرجال في الاجتماعات الكنسية العامة، إذ يقول: "لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت، لأن آدم جُبل أولاً ثم حواء، وآدم لم يغوَ بل حواء أغويت، فحصلت في التعدي، ولكنها ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل" [11-١٥].
ربما يتساءل البعض لماذا تصمت النساء ولا تعلم في الكنيسة؟ ولماذا يُنسب لها الخضوع؟



لكي نفهم هذا النص يلزمنا أن نتعرف على الظروف المحيطة بالكنيسة في ذلك الحين، ففي المجتمع اليهودي كانت المرأة ممنوعة من دراسة الناموس، ولا يُسمح لها أن تقوم بأي دور قيادي في خدمة المجتمع، وكان الرجل يشكر الله كل صباح على أنه لم يخلقه "أمميًا ولا عبدًا ولا امرأة". هذا وإن كنا لا ننكر أن بعض النساء خلال التهاب قلوبهن بمحبة الله تسلمن أدوارًا قيادية في العهد القديم في الجانب الديني والسياسي، حيث كان الدين لا يفصل عن السياسة عند اليهود، الأمر الذي صححه السيد المسيح. فعرفن في العهد القديم أربعة نبيات هن مريم قائدة النساء في التسبيح (خر ١٥: ٢٠)، ودبورة النبية وقاضية إسرائيل (قض ٤: ٤)، وخلدة النبية في أيام يوشيا (٢مل ٢٢: ٤)، ونوعدية النبية في أيام نحميا (نح ٦: ١٤)، يُضاف إليهن حنة المذكورة في إنجيل معلمنا لوقا (٢: ٣٦). حقًا لقد تمتعت المرأة بالكثير من الحقوق من خلال الشريعة الموسوية إن قورنت بمركزها في العالم في ذلك الحين. لكنها بقيت بعيدة عن خدمة المقدسات والعمل التعليمي الكنسي الخ.

أماعند اليونان فقد ضم معبد افروديت في كورنثوس ألف كاهنة كن يعرضن أجسادهن على المتعبدين كنوع من العبادة، وضم معبد ديانا بأفسس مئات من الكاهنات الشريرات.

إن كانت الكنيسة المسيحية قد رفعت من شأن المرأة، وأعطتها الكثير من الحقوق، لكن لم يسمح لها بالتعليم العام حيث يوجد الرجال حتى لا يُساء الفهم. لقد رفع السيد من شأن المرأة، فنقرأ في الإنجيل المقدس أن بعض النساء كن يسرن وراء السيد وتلاميذه الاثني عشر أثناء كرازته، وكن يخدمنه من أموالهن الخاصة (لو ٨: ١-٣)، وٍذكرت أسماء بعضهن أيضًا اللواتي رافقن إياه حتى الصليب (مت ٢٧: ٥٦، ٦١؛ ٢٨: ١)، وكانت النساء أول من بشر بقيامة السيد للتلاميذ (لو ٢٤: ١٠-١١).

وفي العصر الرسولي مع بدء انطلاق الكنيسة كانت النساء من بينهن القديسة مريم يواظبن على الصلاة والطلبة مع التلاميذ (أع ١: ١٤)، ويروي لنا لوقا البشير في سفر الأعمال الدور الإيجابي لطابيثا في خدمة الفقراء والأرامل (أع ٩: ٣٦)، وفي التحيات الطويلة في رسائل معلمنا بولس الرسول نتلمس دور كثير من النساء في العمل الكنسي الكرازي، اللواتي لم يكن أقل غيرة من الرجال في نشر كلمة الإنجيل. يتحدث الرسول عن فيبي شماسة كنخريا (رو ١٦: ١-٢) التي كانت تخدم الغرباء والمسافرين "إضافة الغرباء" كما فتحت بيتها للاجتماعات الدينية. ويتحدث عن "بريسكلا وأكيلا" انهما "عاملان معه" في المسيح يسوع (رو ١٦: ٣)، والعجيب أنه يذكر اسم الزوجة قبل الزوج على خلاف العادات المتبعة في ذلك الوقت، لعلها كانت أكثر غيرة من زوجها، كما كان لها أثرها مع زوجها على أبولس في تصحيح إيمانه كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم ويتحدث أيضًا عن أخريات كثيرات يذكرهن بالاسم أنهن عاملات بقوة، وفي سفر الأعمال نسمع عن أربع بنات لفيلبس الإنجيلي كن يتنبأن (أع ٢١: ٩)، وردت أسماؤهن في مخطوط يرجع للقرن الرابع: هيرموان وكاريتينا وإيريس وأوطاخيانا. هذا بخلاف خدمة الأرامل والعذارى التي نتكلم عنها في موضعها إن أذن الرب.

إذن لم تجحف الكنيسة المسيحية منذ انطلاقها حق المرأة، فلماذا رفضت قيامها بدور تعليمي وسط الرجال؟

أخيرًا، ماذا يقصد الرسول بولس بقوله: "لكنها ستخلص بولادة الأولاد، إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل" [١٥]؟ يرى البعض أن القديس مريم قدمت للنساء كرامة عظيمة إذ أنجبت لنا المخلص. ويرى آخرون أن النساء وإن كن قد حرمن من التعليم العام في الكنيسة في وجود الرجال، لكنهن ينلن أكاليلهن خلال تربية أولادهن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقل، الأمر الذي لا يستطيع الرجال القيام به. إنهن بحق يقدمن للكنيسة أعضاء قيادية مباركة!



3 : 1 – 4

بعد أن تحدث عن العبادة الكنسية العامة، مركزًا على الصلاة من أجل الجميع حتى الوثنيين، كما قدم السيد نفسه فدية عن الكل، مشتاقًا أن يدخل بالكل إلى خلاصه، موصيًا إيانا أن نكون رجالاً روحيين نبسط أيادي مقدسة طاهرة، تسند صلواتنا بالعمل الروحي، وأن تكون نفوسنا كامرأة مزينة لعريسها بالمجد الداخلي عوض الزينة الخارجية، يتحدث الآن عن الرعاة أنفسهم:
سمات الأسقف



"صادقة هي الكلمة إن ابتغى أحد الأسقفية فيشتهي عملاً حسنًا" [١].

شهوة الأسقفية ليست شهوة للسلطة والكرامة، وإنما هي شهوة غسل أقدام الآخرين وبذل الذات من أجل كل أحد في المسيح يسوع. ففي الكنيسة الأولى كان الأسقف هو الأب الذي يتعرض للاضطهادات والعذابات والنفي من أجل الدخول بالبشرية إلى الحياة الإيمانية الحية، وحتى في فترات الهدوء النسبي لم يكن يشعر الأسقف أنه صاحب الكرامة والسلطان بالرغم من محبة أولاده له، إنما يشعر بالحري بالتزامه الأبوي نحو كل أحد.

+ إن كان لأحد هذه الرغبة فلا يشتهي السيطرة والسلطة، وإنما يرغب في حماية الكنيسة (روحيًا)، فأنا لا ألومه. فإنه حتى موسى اشتهى الوظيفة لا السلطة، فعرضته شهوته للتوبيخ الساخر: "من أقامك رئيسًا وقاضيًا علينا؟" (أع ٧: ٢٧، خر 2: ١٤). من يشتهي هذه الوظيفة بهذه الكيفية فليشتهيها، لأن الأسقفية دعيت هكذا (ابسكورس) بكونها "نظارة" على الكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم في شيء من التفصيل عن "شهوة الأسقفية"، موضحًا الفرق بين شهوة الخدمة الباذلة ونوال الرتبة للسلطة، إذ يقول في كتابه "عن الكهنوت":

+ توجد صفات كثيرة يجب أن يتحلى بها الكاهن، فقبل كل شيء يجب أن يتطهر من شهوة الحصول على هذه الرتبة، لأنه إن اشتهى هذه الكرامة، حالما يصل إليها تزداد فيه شهوة حب الكرامة اضطرامًا، حتى إذا استعبد لها يتردى في شرور كثيرة مثل التملق والمداهنة ويخضع لأمورٍ كثيرة - وهذا هو سبب المذابح التي عمت الكنائس، والخراب الذي حلَّ بالمدن، بسبب التشاحن على الرئاسة. ولا يظن أحد إني أعارض القديس بولس الرسول حين يقول: "إن ابتغى أحد الأسقفية فليشتهي عملاً صالحًا"، فإني لا أقول إن اشتهاء الاسقفية أمر ردئ، لكن الردئ هو رغبة التسلط وحب الرئاسة.]

أما سمات الأسقف فهي:
أ. بلا لوم



+ كل فضيلة إنما تدخل في هذه الكلمة، فإن شعر أحد في نفسه بخطية ما، ليس له أن يشتهي العمل الذي لا تؤهله له صفاته. فإن مثل هذا الإنسان يليق به أن يكون تحت التدبير لا أن يدبر الآخرين. فمن يدبر يلزمه أن يكون أكثر بهاءً من أي كوكب منير، تكون حياته بلا عيب، يتطلع الكل إليه، فيرون في حياته نموذجًا لهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ ليعرف الإنسان إذًا قدر نفسه، حتى لا يتجرأ أحد فيأخذ لنفسه منصب الرعاية بينما لا تزال الرذيلة تسيطر عليه وتتسبب في إدانته، فإن الذي أفسدته الآثام لا يجب أن يشفع من أجل آثام غيره.

البابا غريغوريوس (الكبير)
!

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:03 pm

وقد فسر هذا الأب الكلمات الإلهية لموسى النبي عن الرجل الذي يتقدم ليقرب خبز إلهه ألا يكون فيه عيب (تث ٢١: ١٧- ٢١) بطريقة رمزية، فيها يُستعبد الإنسان الذي يحمل عيبًا روحيًا من الخدمة الكهنوتية والعمل الرعوي، إذ يقول الرب: "لأن كل رجل فيه عيب لا يتقدم، لا رجل أعمى ولا أعرج ولا أفطس ولا زوائدي ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد ولا أحدب ولا أكشم ولا من في عينه بياض ولا أجرب ولا أكف ولا مرضوض الخصي". فالكاهن (أيا كانت درجته) يلزم ألا يكون أعمى، بل يرى بهاء التأمل السماوي، ولا أعرج، بل يعرف أن يسير في طريق الحق، ولا أفطس، إنما قادر على التمييز الروحي، ولا يكون كالزوائدي الذي يتدخل في شئون الآخرين بإفراط ويفرضون أنفسهم عليهم ولا مكسور الرجل أو اليد أو عاجز عن الحركة والعمل الخ.
ب. بعل امرأة واحدة



+ لم يضع الرسول هذا الأمر قاعدة بأنه يجب أن يكون له امرأة واحدة، إنما يمنع أن تكون له أكثر من امرأة واحدة، إذ كان يُسمح لليهود بالزواج الثاني (بعد وفاة الأولى أو تطليقها) بل وأن يكون له زوجتان في وقتٍ واحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بمعنى آخر لا يلزم الرسول الأسقف أن يكون متزوجًا لكنه يرفض سيامة من يتزوج للمرة الثانية حتى وإن كانت الأولى قد ماتت أو طُلقت. إنه يكتب في بدء انطلاق الكنيسة حيث كان تعدد الزوجات مباحًا وشائعًا عند الأمم، فإن دخل أحدهم الإيمان المسيحي لا يُقام أسقفًا إن كان قد سبق فتزوج أكثر من مرة. لقد أراد أن يختار الأسقف أكثر الناس عفة ونقاوة. أما وقد انفتح باب الرهبنة فقد وجد بيننا بتوليين لذلك صار الأسقف يُسام من بين البتوليين.
ج. صاحيًا



+ هذا يعني أن يكون حذرًا، له آلاف الأعين حوله، سريع النظر، أعين ذهنه غير مظلمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

وكأن الأسقف بكونه الناظر على شعب الله يليق به أن يكون ذا بصيرة متقدة، صاحيًا وواعيًا على خلاص نفسه وخلاص إخوته وأولاده الروحيين، لا تربكه الأمور الإدارية ولا تلهيه المشاكل العامة أو الخاصة عن رسالته الروحية.

+ يليق به أن يكون ساهرًا، حارًا في الروح كمن يتنسم نارًا! يلزمه أن يعمل دومًا مؤديًا واجبه نهارًا وليلاً أكثر من قائد ملتزم نحو جيشه! يليق به أن يكون حريصًا يهتم بالجميع!"

القديس يوحنا الذهبي الفم
د. عاقلاً



أي رزينًا يتصرف بحكمة وتمييز، وفي اعتدال، لا يكون متطرفًا يمينًا أو يسارًا، يعرف كيف يوجه أولاده بحكمة واتزان. يهتم بالأمور الروحية لشعبه دون تجاهل لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والجسدية، يوجههم كل حسب موهبته الخاصة به، وليس حسب ميول الأسقف الشخصية.

في حديثنا عن الحب الرعوي رأينا التزام الكاهن، أيا كانت درجته، أن يكون حكيمًا في معاملته لأولاده يعرف كيف يعامل الأحداث والشيوخ والفقراء والأغنياء والمتزوجين والبتوليين والمتجاسرين الخ. كل حسب ظروفه وإمكانياته حتى لا يفقد أحدًا ولا يدلل أحدًا.
ه. محتشمًا



يليق بالكاهن أن يكون محتشمًا في ملبسه كما في تصرفاته وكلماته، فالاحتشام صفة تمس القلب في الداخل وتنعكس على كل الأحاسيس والتصرفات، وقد سبق لنا الحديث في هذا الأمر. من أمثلة الاحتشام عدم استخدام الفكاهات غير اللائقة، والهزل المفسد للنفس، وعدم إعطاء اهتمام خاص ببعض النساء أو الفتيات الخ.
و. مضيفًا للغرباء



استضافة الغرباء علامة إتساع القلب بالحب العملي، لهذا يمدح الرسول أهل رومية، قائلاً: "مشتركين في احتياجات القديسين، عاكفين على إضافة الغرباء" (رو ١٢: ١٣)، كما يقول في الرسالة إلى العبرانيين: "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون" (عب ١٣: ٢). فمن لا يختبر الحب العملي قبل سيامته كيف يقدر أن يقدم حياته بالحب عن شعبه خلال اسقفيته؟

كان المؤمنون والخدام في الكنيسة الأولى يجولون كثيرًا بسبب الاضطهاد، لذا كانوا ينزلون على بيوت المؤمنين، خاصة بيت االأسقف. لهذا يقول هرماس في كتابه "الراعي": [يجب أن يكون الأسقف مضيفًا للغرباء، يرحب بسرور وفي كل وقت بخدام الله القادمين إلى بيته.]
ز. صالحًا للتعليم



لا يكفي أن يكون الأسقف بلا عيب، ذا معرفة روحية مستقيمة وغيرة متقدة، إنما يلزم أن تكون له موهبة التعليم، الأمر الذي لا يتوفر في الكثيرين.

+ هذه ليست مطلوبة فيمن هم تحت التدبير، لكنها أساسية فيمن يعهد إليه أمر التدبير.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ اهتم بالكلام أيها الأسقف، وإن كنت تقدر أن تفسر ففسر كلام الكتب، اشبع شعبك واروه من نور الناموس فيغتني بكثرة تعاليمك.

الدسقولية
ح. غير مدمن الخمر



كانت المسكرات ممنوعة على كهنة اليهود مدة خدمتهم (لا ١: ٩)، هكذا يليق بالأسقف المسيحي ألا يكون محبًا للمسكرات علامة شبعه بالخمر الروحي الحقيقي، خمر الروح القدس المفرح للنفس.

+ الانغماس في الخمر هو من أخطاء الشرهين والمترفين، فعندما يسخن الجسد بالخمر للحال تثور فيه الشهوة. فشرب الخمر معناه التساهل مع النفس، وهذا يعني التنعم الحسي. والتنعم الحسي يعني كسر العفة. فالإنسان الذي يعيش متنعمًا يكون ميتًا وهو حيّ (١ تي ٥: ٦). وأما الذي يشرب الخمر فلا يكون ميتًا بل مدفونًا. إن ساعة واحدة من الخلاعة جعلت نوح يتعرى بعدما استتر ستين عامًا بوقارٍ (تك ٩: ٢٠-٢١).

القديس چيروم
ط. غير ضرّاب



في العهد القديم إضطر نحميا في غيرته المقدسة أن يضرب المتزوجين بوثنيات أجنبيات، إذ يقول: "فخاصمتهم... وضربت منهم أناسًا" (نح ١٣: ٢٥). لكن المسيحية تطلب التقديس الداخلي للنفس فلا تستخدم وسائل العنف، حتى يتحقق الإصلاح الداخلي بكامل حرية الإنسان، وقد أمرت القوانين الرسولية بتجريد الأسقف أو الكاهن أو الشماس الذي يضرب مؤمنًا عندما يخطيء.

وقد استبعد القديس يوحنا الذهبي الفم أن يوجد أسقف يفعل مثل هذه الحماقة التي لا تليق به، لهذا يرى في كلمات الرسول أنها لا تعني المفهوم الحرفي بل الرمزي، قائلاً: [هذه لا تعني أنه ضرّاب بيديه... فإن البعض يضرب ضمير الإخوة، هذا ما يبدو لي أن الرسول يقصده.]
ى. غير طامع بالربح القبيح ولا محب للمال



إن ارتبط قلب الإنسان بالربح ولو كان قليلاً؛ إن كان محبًا للمال، فإنه إذ يتسلم قيادة شعب لا يطلب ما لهم على حساب نفسه، أي لا يكون باذلاً يعرف أن ينفق كل ماله ويبذل حياته عنهم، إنما يطلب ما لنفسه، فيفسد كنيسة الله، ويغتنمها لحسابه الخاص.
ك .حليمًا غير مخاصم



يحمل روح سيده الذي "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته" (مت ١٢: ١٩). يملك السيد المسيح على القلوب بالحلم والوداعة، هكذا يليق بالأسقف أن يعيش بروح سيده ليقدم لشعب الله صورة حية للملك الوديع الذي يغلب الشر بالخير، ويقتل كل خصام بالحب!
ل. يدبر بيته حسنًا



له أولاد في الخضوع بكل وقار، وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته، فكيف يعتني بكنيسة الله؟ من لا يعرف أن يدبر كنيسة بيته الصغيرة والتي تخضع له حسب قانون الطبيعة، تسنده في ذلك القوانين الوضعية والكنسية، فكيف يقدر أن يتسلم قيادة الكنيسة التي لا تُلزم القوانين أعضاءها بالخضوع له إلاَّ خلال سلطان الحب الروحي والإيمان؟

إن كان الأسقف يُختار من بين البتوليين، فإنه يلزم أن يكون له أولاد في الخضوع في الروح. فمن لا يعرف أن يقتني له في المسيح أولادًا خلال الإنجيل قبل سيامته، كيف يقدر أن يربح أولادًا لله وسط مسئوليات الأسقفية الضخمة؟

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:03 pm

م. غير حديث الإيمان



غير حديث الإيمان لئلا يتصلف، فيسقط في دينونة إبليس [٦]. لم يقل غير حديث السن بل "غير حديث الإيمان"، فالقديس تيموثاوس كان حديث السن لكنه كان ناضجًا في الإيمان. حداثه الإيمان ربما تحمل غيرة متقدة نحو الخدمة، لكنها تحمل خطر الاعتداد بالذات والتصلف، فيخسر الإنسان نفسه بالكبرياء ويهلك من هم تحت تدبيره.
ن. له شهادة من الذين في الخارج



"ويجب أيضًا أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم خارج لئلا يسقط في تعيير وفخ إبليس" [٧]. قد يشهد المؤمنون لعضوٍ من بينهم شهادة حسنة، لكن شهادة الأمم له هي ختم لهذه الشهادة، فإن النور لا يستطيع أحد أن ينكره حتى ون كان يرفضه، والحياة الصالحة مشهود لها حتى من الأعداء.

v حسن للصالحين أن يكون لهم صيت حسن لدى أعدائهم... لماذا لم يتكلم أحد ضد الرسل مدعيًا أنهم زناة أو دنسون أو طماعون أو مخادعون، وإنما كانوا ضد كرازتهم فقط؟ أليس لأن حياتهم بلا غبار؟ لقد كان ذلك واضحًا! فلنحيا هكذا فلا يقدر عدو أو غير مؤمن أن ينطق بالشر ضدنا، فمن كانت حياته فاضلة يكرمه حتى هؤلاء. إن الحق يغلق أفواه الأعداء... كما لا يستطيع أحد أن يقول عن الشمس أنها مظلمة حتى وإن كان أعمى، إذ يخجل ويخشى أن يلومه الكل، هكذا من كان صلاحه واضحًا لا يلومه أحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم
+ + +




الإنجيل من يوحنا 6 : 47 – 71

"الحق الحق أقول لكم

من يؤمن بي فله حياة أبدية". (47)

يعلن السيد المسيح في حديثه هذا أن المؤمن:

1. يجتذبه الآب خلال أعمال ابنه الخلاصية الجذابة.

2. يسمع تعاليمه.

3. يقبل الخلاص المقدم له.

4. يقتات بالخبز السماوي.

5. يُحفظ في الإيمان.

6. لا يهلك بل يقوم في اليوم الأخير.

7. يتمتع بالحياة الأبدية.

+ باعتباره الحياة الأبدية يعد أن يعطي نفسه للذين يؤمنون به، أي "يحل المسيح بالإيمان في قلوبنا" (أف ٣: ١٧).

القديس كيرلس الكبير

+ ليت ما يلي ذلك يحثنا: "الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة الأبدية". إنه يود أن يعلن ذاته من هو. إنه يقول من يؤمن بي يقتنيني. لأن المسيح نفسه هو اللَّه الحقيقي والحياة الأبدية. لذلك يقول: من يؤمن بي يدخل فيّ، ومن يدخل فيّ أكون له. وماذا يعني "أكون له"؟ تكون له الحياة الأبدية.
القديس أغسطينوس



"أنا هو خبز الحياة". (48)

"آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا". (49)

هذا المن لم يحفظ أجسادهم من الموت، ولا وهبهم حياة أبدية. هذا حسب مفهومهم هم، إذ كانوا يعتبرون آباءهم قد هلكوا في البرية، وليس لهم حياة أبدية. أكلهم المن لم يحفظهم من غضب الله الذي حل عليهم بسبب تمردهم المستمر وتذمرهم في البرية (١ كو ١٠: ٣-٥).

+ إنه يؤسس شيئا لكي يجتذبهم، وهو أنهم يحسبون قد تأهلوا إلي أمور أعظم مما لآبائهم (يقصد الناس العجيبين الذين عاشوا في أيام موسى، فإنه بعد قول أن الذين أكلوا المن ماتوا أكمل "إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلي الأبد" (51).
القديس يوحنا الذهبي الفم



"هذا هو الخبز النازل من السماء

لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت". (50)

مقابل هذا جاء السيد ليقدم جسده خبزًا يسند أجسادهم فيمجدها ويهبها شركة مع النفوس إلى الأبد.

+ الابن وحده وبحق هو خبز الحياة، والذين اشتركوا فيه مرة واختلطوا به بطريقة ما من خلال الشركة معه فقد ظهر أنهم فوق رباطات الموت نفسه. وقد سبق أن قلنا مرارًا أن المن يؤخذ بالأحرى كرمزٍ أو ظلٍ للمسيح، وكان يمثل خبز الحياة، ويسندنا المرتل في هذا صارخًا بالروح: "أعطاهم خبزًا من السماء، أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز ٧٨: ٢٤-٢٥)... هنا الكلام موجه لنا نحن، لأنه أليس من الحماقة والجهل الشديد أن يفترض أن الملائكة القديسين الذين هم في السماء، بالرغم من أن لهم طبيعة غير جسدية، يمكنهم أن يشتركوا معنا في طعامٍ ماديٍ كثيفٍ؟
القديس كيرلس الكبير



+ إلى يومنا هذا نتقبل الطعام المنظور، فالسرّ شيء، وفاعلية السرّ أمر آخر.

كم من كثيرين يتناولون من المذبح ويموتون؟ يموتون حقًا بتناولهم إيّاه! لذلك يقول الرسول: "يأكل ويشرب دينونة لنفسه" (1 كو 11: 29). فإنه أليس ما أخذه في فمه من الرب كان سُمًّا ليهوذا. ومع ذلك أخذه، وعندما تناوله دخله العدو، ليس لأن ما تناوله أمر شرير، وإنما لأنه هو شرير، تناول ما هو صالح بطريقة شريرة.

إذن انظروا أيها الاخوة إنكم تتناولون الخبز السماوي بمعنى روحي، قدموا طهارة للمذبح.

فمع أن خطاياكم يومية فعلى الأقل لا تسمحوا أن تكون مميتة.

قبل أن تقتربوا إلى المذبح ضعوا في اعتباركم حسنًا أن تقولوا: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر نحن أيضًا لمن لنا عليهم". أنتم تغفرون فيُغفر لكم.

اقتربوا في سلام، إنه خبز لا سم.

ولكن انظروا إن كنتم تغفرون، فإنكم إن لم تغفروا تكذبون، وتكذبون على ذاك الذي لا يُخدع. يمكنك أن تكذب على اللَّه لكنك لا تقدر أن تخدعه.
القديس أغسطينوس



"أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء.

إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد،

والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم". (51)

+ أموت لأجل الجميع، لكي أحيي الجميع بذاتي. وقد صيَّرت جسدي فدية لأجل الجميع. لأن الموت سوف يموت في موتي، ومعي ستقوم طبيعة الإنسان الساقطة. فمن أجل هذا صرت مثلك أيها الإنسان، صرت من ذرية إبراهيم حتى "أشابه اخوتي في كل شيء" (عب ٢: ١٧).

+ يعطي جسد المسيح حياة لكل من يشترك فيه، لأنه يطرد الموت، حتى يأتي ويدخل إلى أناسٍ مائتين، ويزيل الفساد، إذ أن (جسد الكلمة) ممتلئ بالكامل بالكلمة الذي يبيد الفساد.
القديس كيرلس الكبير



+ لا تجعل فمك مستعدًا بل قلبك... إذ نقبله نعرف ما نفكر فيه. نقبل فقط القليل وننتعش في القلب. ما يقوتنا ليس ما نراه بل ما نؤمن به. لهذا فنحن لا نطلب ما يمس حواسنا الخارجية، ولا نقول: "ليؤمن الذين يرون بأعينهم ويلمسون بأيديهم الرب نفسه بعد قيامته إن كان ما يُقال هو حق إننا لم نلمسه، فلماذا نؤمن؟"
القديس أغسطينوس



يشير القديس يوحنا الذهبي الفم إلى ثمار الإفخارستيا:

+ يكون للذين يشتركون فيهما (جسد الرب ودمه) رزانة النفس، غفران الخطايا، شركة الروح، بلوغ ملكوت السماء، الدالة لديه، وليس للحكم والدينونة.
القديس يوحنا الذهبي الفم



يصف القديس إيريناؤس الإفخارستيا أنها خبز الخلود، كما يدعوه القديس أغناطيوس الأنطاكي دواء الخلود.

+ في الأيام الأخيرة لخص كل شيء في نفسه؛ فقد جاء ربنا إلينا ليس حسب إمكانياته هو، وإنما حسبما نستطيع نحن أن نراه. حقًا كان يمكنه أن يأتي إلينا في مجده الذي لا يُعبّر عنه، لكننا لم نكن قادرين أن نحتمل عظمة مجده. ولهذا السبب قدم خبز الآب الكامل نفسه لنا في شكل لبنٍ بكوننا أطفالاً صغار. هكذا كان مجيئه كإنسان لكي نتقوّت، أقول، من صدر جسده، وبمثل هذا اللكتات (فرز اللبن) نعتاد أن نأكل كلمة اللَّه ونشربه، فنحمل في داخلنا خبز الخلود، الذي هو روح الآب.
القديس إيريناؤس



"فخاصم اليهود بعضهم بعضا قائلين:

كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟" (52)

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم علي هذه العبارة أنه ما كان يليق باليهود أن يتساءلوا هكذا بعد أن رأوا معجزة الخبزات. كما جاء في تعليقه أيضًا:

+ يلزمنا أن نفهم الأسرار، ما هي، ولماذا أعطيت، وما النفع منها.

نصير جسدًا واحدًا، و"أعضاء جسده ومن عظامه" (أف 5: 30). ليت المتناولون يتتبعون ما أقوله. لكي ما نصير هكذا ليس بالحب وحده، بل وبالفعل ذاته، لنتحد بهذا الجسد. هذا يتحقق بالطعام الذي قدمه لنا مجانًا، مشتاقًا أن يظهر حبه لنا. لهذا مزج نفسه بنا، وعجن جسد بأجسادنا، لكي نصير واحدًا، كجسد يتحد بالرأس...

يقودنا المسيح إلي صداقة حميمة ليظهر حبه لنا. إنه يهب الذين يرغبونه ليس فقط أن يروه بل يلمسوه ويأكلوه، ويثبتوا أسنانهم في جسده، ويقبلون ويشبعون كل حبهم له.

ليتنا نعود من تلك المائدة كأسود تتنفس نارًا ترعب الشيطان، مفكرين في رأسنا وفي حبه الذي أظهره لنا.

غالبًا ما يقدم الآباء أبناءهم لآخرين كي يطعموهم؛ أما هو فيقول: "أما أنا فلا أفعل ذلك، أنا أطعمتكم بجسدي، مشتاقًا أن تصيروا جميعكم مولودين ميلادًا جديدًا ولكم رجاء صالح في المستقبل. فإن من يعطيكم ذاته هنا كم بالأكثر يعطيكم فيما بعد.

أردت أن أصير أخاكم، ومن أجلكم شاركتكم في اللحم والدم، وأعود فأعطيكم الجسد والدم لكي بذلك أصير قريبكم".

هذا الدم يجعل صورة ملكنا متجددة فينا، تبعث جمالاً لا ُينطق به، ولا تدع سمو نفوسنا أن ينزع منا، بل ترويه دائما وتنعشه.

الدم الذي يستخرج من طعامنا لا يصير دمًا في الحال بل يصير شيئًا آخر، أما هذا فلا يفعل هكذا، إنما في الحال يروي نفوسنا، ويعمل فيها بقوة قديرة.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:09 pm

هذا الدم السري إن تناولنا بحق يطرد الشياطين، ويجعلهم بعيدين عنا، بينما يدعو الملائكة ورب الملائكة إلينا. فحالما يرون دم الرب تهرب الشياطين وتركض الملائكة معا... سفك هذا الدم وجعل السماء سهلة المنال.

v بالحق مهوبة هي أسرار الكنيسة، مهوب بالحق هو المذبح. ينبوع يصعد من الفردوس، ويفيض بأنهار مادية؛ من هذه المائدة يصدر ينبوع يبعث انهارًا روحية.
القديس يوحنا الذهبي الفم



+ رب الجميع نفسه الذي يريدنا أن نكون هكذا يقول بالنبي إشعياء: "لأن أفكاري ليست أفكاركم، ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لأنه كما علت السماوات عن الأرض، هكذا طرقي عن طرقكم، وأفكاري عن أفكاركم" (إش ٥٥: ٨-٩). لكن ذاك الذي يفوقنا بما لا يُقاس من عظمة في الحكمة والقدرة، كيف لا يفعل شيئًا عجيبًا يفوق فهمنا؟...

إن كنت تصر أيها اليهودي قائلاً: كيف؟ فإني أيضًا أقول لك...

كيف خرجت من مصر؟

كيف تحولت عصا موسى إلى حية؟...

لو طبقت كلمة "كيف" لما آمنت أبدًا بالكتاب كله، ولطرحت عنك كل كلمات القديسين.

+ الذين آمنوا الآن لهم القوة على التعلم أيضًا. لأنه هكذا يقول إشعياء النبي: "إن كنتم لا تؤمنون فلن تفهموا" (إش ٧: ٩). لهذا كان من الصواب أن يتأصل فيهم الإيمان أولاً ثم يأتي بعد ذلك الفهم للأمور التي يجهلونها.
القديس كيرلس الكبير



+ وكما اضطرب نيقوديموس إذ قال: "كيف يمكن الإنسان أن يُولد وهو شيخ، ألعله يقدرًان يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟" (يو 3: 4)، هكذا اضطرب هؤلاء إذ قالوا: "كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟"
القديس يوحنا الذهبي الفم



+ يعرف المؤمنون جسد المسيح إن لم يهملوا في أن يكونوا جسد المسيح. ليصيروا جسد المسيح إن أرادوا أن يعيشوا بروح المسيح.

القديس أغسطينوس



"فقال لهم يسوع:

الحق الحق أقول لكم:

إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان،

وتشربوا دمه،

فليس لكم حياة فيكم". (53)

+ إن كان بلمسة جسده المقدس وحدها (في إقامة ابنة يايرس لو ٨: ٥٤؛ وإقامة الشاب وحيد أمه لو ٧: ١٢-١٤) يعطي حياة لجسد تحلل فكيف لا ننتفع نحن بأكثر غنى بالبركة (التناول) التي نشترك فيها، إذ حين نتذوقها أيضًا ننال الواهب الحياة؟ لأنه سوف تتحول بالتأكيد إلى خيرنا الذاتي، أي الخلود...

نحن القابلون للفساد بطبيعة جسدنا، نهجر ضعفنا الطبيعي باختلاطنا بالحياة، ونتبدل إلى خاصية الحياة. فالأمر لا يحتاج فقط إلى إعادة خلقة للنفس بالروح القدس إلى جدة الحياة، بل وأن ذاك الجسد الأرضي الغليظ يلزمه أن يتقدس ويُدعى إلى عدم الفساد بواسطة الشركة الأكثف والأقرب.
القديس كيرلس الكبير



يندهش القديس كيرلس الكبير من اليهود الذين آمنوا أنه بأكل لحم خروف الفصح ونضح دمه على الأبواب يهرب الموت منهم، ويُحسبوا مقدسين، ولن يعبر بهم المهلك، فكيف لا يؤمنون بأن تناول جسد حمل الله ودمه يهبهم الحياة الأبدية.

+ عندما أعطانا كلاً من جسده ودمه انتعاشًا صحيًا، وباختصار حلَّ سؤال عظيم بخصوص الكمال (أي كل من الرأس المسيح والجسد الكنيسة). ليت الذين يأكلون يستمرون في الأكل، والذين يشربون أن يشربوا. ليت الجائعون والظمأى يأكلون الحياة ويشربون الحياة... فإن الأمر سيكون هكذا، أي أن جسد المسيح ودمه يكونان حياة الإنسان. إن كان ما نأخذه في السرّ هو أمر منظور فإنه في الحق نفسه يؤكل ويُشرب روحيًا.

القديس أغسطينوس

+ الطعام المدعو "إفخارستيا"، لا يًسمح لأحد أن يشترك فيه إلا من يؤمن أن ما نعلم به هو حقيقي، وأن يغتسل بالغسل، أي غفران الخطايا للميلاد الجديد، وأن يحيا كما علمنا المسيح. فإننا لا نقبل هذا كخبز عام ولا شرب عام، بل أن يسوع المسيح مخلصنا صار جسدًا بلوغوس لله؛ أخذ جسدًا ودمًا لأجل خلاصنا، هكذا نحن تعلمنا أن الطعام المقدس بالصلاة التي لكلماته، والذي ينتعش به جسدنا ودمنا بالتحول transmutation من جسد يسوع ودمه هذا الذي صار جسدًا ودمًا.
القديس يوستين الشهيد



+ بخصوص صدق الجسد والدم لا يوجد أي مجال للشك. فإنه الآن بإعلان الرب نفسه وإيماننا، هو جسد حقيقي ودم حقيقي. وما يؤكل ويشرب يعبر بنا لكي نكون في المسيح والمسيح فينا.
القديس هيلاري أسقف بواتييه



+ نقدم له ما له ما معلنين باستقامة الشركة والاتحاد للجسد والروح. فكما أن الخبز الذي ينتج عن الأرض عندما يقبل استرحام (دعوة) الله لا يعود بعد خبزًا عاديًا بل إفخارستيا، يحوي حقيقتين: حقيقة أرضية وحقيقة سماوية، هكذا أيضًا أجسادنا إذ تتقبل الإفخارستيا لا تعود قابلة للفساد إذ تترجي القيامة للأبدية.

+ بدمه خلصنا... وإذ نحن أعضاءه ننتعش أيضا بوسائل خليقته...

إنه يعرف الكأس (وهي جزء من الخليقة) إنها دمه، التي منها يندى دمنا، والخبز (وهو أيضًا جزء من الخليقة) قد أقامه كجسده، الذي منه يهب نموًا لأجسادنا... لذلك فإن الكأس الممزوجة والخبز المكسور... يصير إفخارستيا دم المسيح وجسده، منه ينمو جسدنا ويستند، فكيف يمكن للهراطقة أن يؤكدوا أن الجسد عاجز عن تقبل عطية الله، التي هي الحياة الأبدية، والتي ينتعش (الجسم) بجسد الرب ودمه ويصير عضوًا له؟ فإن الطوباوي بولس يعلن أننا "أعضاء جسمه، من جسده وعظامه" (أف 5: 30).

لا يتحدث بهذه الكلمات عن الإنسان الروحي غير المنظور، فإن الروح ليس له عظم ولا الجسد، إنما يشير إلى ذلك التدبير الذي به صار الرب إنسانا حقًا يحوى جسمًا وأعصاب وعظام، ذاك الجسد الذي ينتعش بالكأس الذي هو دمه ويتقبل نموًا من الخبز الذي هو جسده...

هكذا أيضًا أجسامنا إذا تنتعش به فإنها إذ تودع في الأرض وتتحلل هناك ستقوم في الوقت المعين، يهبها لوغوس الله القيامة لمجد الله اللآب، هذا الذي يهب مجانًا المائت عدم الموت والفاسد عدم الفساد، إذ قوة الله تكمل في الضعف (2 كو 12:9).
القديس ايريناؤس



+ يوجد كأس، به تطهر حجرات النفس الخفية، كأس لا حسب التدبير القديم، ولا ممتلئ من كرمة عامة، بل كأس جديد، نازل من السماء إلى الأرض (يو 50:6-51)، مملوء بالخمر المعصور من عنقود عجيب معلق في شكل جسدي على خشبة الصليب، كما يتدلّى العنب من الكرمة. من هذا العنقود إذن الخمر الذي يفرح قلب الإنسان (قض 13:9)، يزيل الحزن، ينسكب فينا ويحمل رائحة الدهش التي للإيمان والتقوى الحقيقية والطهارة.
القديس أمبروسيوس



"من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية،

وأنا أقيمه في اليوم الأخير". (54) + لم يقل صار في الجسد بل صار جسدًا، لكي يوضح الاتحاد. ونحن لا نقول إن الله الكلمة الذي من الآب قد تحول إلى طبيعة الجسد، أو أن التجسد تحول إلى الكلمة... لكن بطريقة لا يُنطق بها وتفوق الفهم البشري اتحد الكلمة بجسده الخاص، وإذ ضمه كله إلى نفسه... قد طرد الفساد من طبيعتنا وأزاح أيضًا الموت الذي ساد من القديم بسبب الخطية. لذلك فإن كل من يأكل من الجسد المقدس الذي للمسيح فله الحياة الأبدية، لأن الجسد له في ذاته الكلمة الذي هو للحياة بالطبيعة. لهذا يقول: "وأنا أقيمه في اليوم الأخير". وبدلاً من القول "جسدي يقيمه" أي يقيم كل من يأكل جسدي، قد وضع الضمير "أنا" في عبارة "أنا أقيمه"، لا كأنه شيء آخر غير جسده الخاص به، لأنه بعد الاتحاد لا يمكن أبدًا أن ينقسم إلى اثنين. لهذا يقول: "أنا الله صرت فيه، من خلال جسدي الخاص نفسه، أي إنني سأقيم في

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:09 pm

اليوم الأخير ذاك الذي يأكل جسدي. لأنه كان من المستحيل حقًا أن الذي هو الحياة بالطبيعة ألا يقهر الفساد بشكلٍ أكيدٍ، وألا يسود على الموت.
القديس كيرلس الكبير



يرى القديس كيرلس الكبير أن السيد المسيح وهبنا جسده واهب الحياة كخميرة تُلقى فينا، فيصير العجين كله مخمرًا. وكما تصير الخميرة في العجين كذلك العجين في الخميرة، هكذا يثبت المسيح فينا ونحن فيه. مرة أخرى يقدم لنا جسده ودمه كبذارٍ في أعماقنا [هكذا يخفي ربنا يسوع المسيح الحياة فينا من خلال جسده الخاص، ويغرسها كبذرة خلود، فيبيد كل الفساد الذي فينا].

v لئلا يظنوا أن الوعد بالحياة الأبدية في هذا الطعام والشراب بطريقة بها لا يموتوا الآن جسديًا، تنازل وواجه هذا الفكر عندما قال: "من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية"، للحال أكمل: "وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (54). بهذا فإنه حسب الروح تكون له حياة الأبدية في الراحة التي تنالها أرواح القديسين، أما بالنسبة للجسد فإنه لا تسلب منه حياته الأبدية، إنما على العكس سينالها في قيامة الأموات في اليوم الأخير.
القديس أغسطينوس



"لأن جسدي مأكل حق،

ودمي مشرب حق". (55)

+ ماذا يقول؟ إما انه يود القول بأنه طعام حقيقي يخَّلص النفس، إذ يؤكد لهم... أنه لا يليق بهم أن يظنوا أن كلماته لغز أو مثل، بل ليعرفوا على وجه الخصوص أنه توجد حاجة لأكل الجسد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ أشبع طعام المن حاجة الجسد زمانًا يسيرًا جدًا، أبعد ألم الجوع، لكنه صار بعدها بلا قوة، ولم يهب الذين أكلوه حياة أبدية. إذن لم يكن ذاك هو الطعام الحقيقي والخبز النازل من السماء. أما الجسد المقدس الذي للمسيح الذي يقوت إلى حياة الخلود والحياة الأبدية فهو بالحقيقة الطعام الحقيقي.

لقد شربوا ماءً من صخرة أيضًا... وما المنفعة التي عادت على الذين شربوا لأنهم قد ماتوا. لم يكن ذاك الشراب أيضًا شرابًا حقيقيًا، بل الشراب الحق في الواقع هو دم المسيح الثمين، الذي يستأصل الفساد كله من جذوره، ويزيح الموت الذي سكن في جسم الإنسان.
القديس كيرلس الكبير



"من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه". (56)

+ يقوت المسيح كنيسته بهذه الأسرار، فبهذه يتقوى جوهر النفس...

لهذا فإن الكنيسة أيضًا إذ تنظر نعمة عظيمة كهذه تحث أبناءها وأصدقاءها أن يأتوا معًا إلى الأسرار، قائلة: "كلوا يا أصدقاء، وأشربوا، نعم اشربوا يا اخوة بفيض" (نش 5:1). ما نأكله وما نشربه قد أوضحه الروح في موضع أخر قائلاً: "ذوقوا وانظروا فإن الرب صالح، طوبى للرجل الذي يصنع رجاءه فيه" (مز 34:8).

في هذا السرّ المسيح إذ هو جسد المسيح، لذلك فهو ليس بالطعام الجسماني بل الروحي... ذاك الطعام كما يسجل النبي يقوي قلوبنا، وهذا الشراب يبهج قلب الإنسان (مز 104: 15).
القديس امبروسيوس



+ يا له من تنازل مهيب! الخالق يعطي ذاته لخليقته لأجل بهجتهم.

يعطي الحياة نفسه للقابلين للموت، كطعامٍ وشرابٍ، فيحثنا: "تعالوا كلوا جسدي وأشربوا الخمر الذي مزجته لكم. أعددت نفسي طعامًا. مزجت نفسي لمن يرغبونني. بإرادتي صرت جسدًا، صرت شريكًا لجسدكم، وأنا حبة الحنطة الواهبة الحياة، أنا هو خبز الحياة. اشربوا الخمر الذي مزجته لكم فإني مشرب الخلود، أنا الكرمة الحقيقية (يو15: 1)،1 اشربوا الخمر الذي مزجته لكم (أم 9:5).

+ أقل كمية من البركة (الإفخارستيا) تخلط جسمنا كله معها، وتملأ بفعلها المقتدر. هكذا جاء المسيح ليكون فينا ونحن أيضًا فيه.
القديس كيرلس الكبير



+ في هذه الأيام يطعمكم المعلمون، يطعمكم المسيح يوميًا. مائدته دائمًا معدة أمامكم.

لماذا إنكم ترون أيها السامعون المائدة ولا تأتون إلي الوليمة؟...

ما يقوله الرب يعرفه المؤمنون حسنًا. أما أنت أيها الموعوظ المدعو سامعًا فأنت أصم. فإنك تفتح أذني الجسم، متطلعا أنك تسمع الكلمات التي قيلت، لكن أذني قلبك مغلقتان، إذ لا تفهم ما يُقال...

هوذا عيد القيامة على الأبواب، قدم اسمك للعماد... لكي تفهم معني: "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه" (٥٦).

+ كيف يلزمنا أن نفهمه؟

هل تشمل هذه الكلمات ("من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه") حتى أولئك الذين قال عنهم الرسول: "يأكلون ويشربون دينونة لأنفسهم" (١ كو ١١: ٢٩) عندما يأكلون هذا الجسد ويشربون هذا الدم؟ هل يهوذا الذي باع سيده وخانه (مع أن لوقا الإنجيلي يعلن بكل وضوح أنه أكل وشرب مع بقية تلاميذه سرّ جسده ودمه الأول بيدي الرب) هل ثبت في المسيح والمسيح فيه؟

هل كثيرون من الذين يتناولون ذاك الجسد ويشربون ذاك الدم في رياء أو الذين بعد تناولهم من الجسد والدم يرتدون يثبتون في المسيح والمسيح فيهم؟
القديس أغسطينوس



"كما أرسلني الآب الحي،

وأنا حي بالآب،

فمن يأكلني فهو يحيا بي". (57)

جاء تعبير "أنا حي بالآب" في اليونانية تحمل معنى أن علة حياته الآب، فالابن لا يحيا وحده، لكن حياة الآب هي حياة الابن بلا انفصال.

+ حينما يقول الابن أنه أُرسل يشير إلى تجسده... من يأخذني في نفسه بالاشتراك في جسدي سيحيا، ويُطَّعم بالكامل فيّ، أنا القادر أن أهبه حياة، لأنني من أصل واهب الحياة، أي الله الآب.

القديس كيرلس الكبير

+ يسأل البعض: كيف يكون الابن مساويًا للآب عندما يقول أنه يحيا بالآب؟

ليت هؤلاء الذين يعترضون علينا في هذه النقطة يخبروننا أولاً ما هي حياة الابن؟ هل هي حياة ممنوحة بواسطة الآب لمن هو في حاجة إلى حياة؟ بل كيف يمكن للابن أن يكون في حاجة أن يملك حياة وهو نفسه الحياة، إذ يقول: "أنا هو الطريق والحق والحياة"؟

حقًا حياته أبدية، وسلطانه أبدي. هل وُجد وقت كانت فيه الحياة لا تملك ذاتها؟

تأملوا ما قُرأ اليوم بخصوص الرب يسوع أنه "مات لأجلنا حتى إذا سهرنا أو نمنا نحيا جميعًا معه" (1 تس 10:5). ذاك الذي موته هو حياة، ألا يكون لاهوته حياة، متطلعين إلى لاهوته أنه حياة أبدية؟

لكن هل حياته بالحقيقة هي في سلطان الآب؟ لماذا؟

لقد أظهر أنه حتى حياته الجسدية ليست في سلطان آخر كما سُجل لنا: "أضع حياتي لكي آخذها. لا يأخذها إنسان مني، بل أنا أضعها بنفسي. لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أيضًا أن آخذها. هذه الوصية قبلتها من أبي".

إذن كيف يُنظر إلى حياته الإلهية كمن تعتمد على سلطان آخر إن كانت حياته الجسدية لا تخضع لسلطان غير سلطانه؟ إنما يوجد سلطان آخر من أجل وحدة السلطان. وذلك كما أعطانا أن نفهم بأن وضع حياته تحقق بسلطانه وبكامل حرية إرادته، هكذا أيضًا يعلمنا أنه يضعها في طاعة لأمر أبيه، هنا الوحدة بين إرادته وإرادة أبيه.
القديس أمبروسيوس



"هذا هو الخبز الذي نزل من السماء، ليس كما أكل آباؤكم المن وماتوا،

من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد". (58)

+ سبق فأخبر النبي ملاخي أحد الأثني عشر: "ليست لي مسرة بكم قال الرب القدير، ولا أقبل تقدمه من يدكم، لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم بين الأمم، وفي كل مكان يُقرب لاسمي بخور وتقدمه طاهرة، لأن اسمي عظيم بين الأمم "(ملا 1:10-11). تشير هذه الكلمات بطريقة واضحة أن الشعب القديم (اليهود) سيتوقفون عن تقديم التقدمات لله، وإنما في كل موضع ستقدم إليه ذبيحة طاهرة، وإن اسمه سيتمجد بين الأمم. ولكن أي اسم لآخر يتمجد بين الأمم مثل ذاك الذي لربنا، الذي به يتمجد الآب والإنسان أيضًا؟ ولأن هذا هو اسم ابنه الذي صار جسدًا بواسطته لذا يدعوه "اسمه".
القديس ايريناؤس



+ يليق بالأبدي أن يعطي ما هو أبدي، لا أن يعطي تمتعًا بطعامٍ وقتي بالكاد يقدر أن يدوم لحظات قليلة... يليق بالذي نزل آنذاك أن يجعل المشتركين في تناوله أسمى من الموت والاضمحلال.

القديس كيرلس الكبير

+ إذن نحن نحيا به، بتناولنا إيّاه، أي بنوالنا الحياة الأبدية، التي ليست لنا من ذواتنا.

من جهة هو حي بالآب الذي أرسله، إذ أخلى نفسه، وأطاع حتى موت الصليب" (في 2: 8)...

بقوله "أنا حيّ بالآب" يعني أنه من الآب، وليس الآب منه؛ يقال هذا دون مساس مساواته له. وأما بقوله: "من يأكلني فهو يحيا بي" لا يعني أن مساواته للآب كمساواتنا نحن له، وإنما يظهر نعمة الوسيط "هذا هو الخبز الذي نزل من السماء" (58).

بأكله نحيا، إذ لا نستطيع أن تكون لنا الحياة الأبدية من أنفسنا. يقول: "ليس كما أكل آباؤكم المن وماتوا، من يأكل هذا الخبز فإنه يحيا إلى الأبد" (58). لأن هؤلاء الآباء موتى، ويُفهم منه أنهم لا يعيشوا إلى الأبد (بواسطة المن). أما الذين يتناولون المسيح فبالتأكيد يموتون وقتيًا لكنهم يحيون أبديًا، لأن المسيح هو حياة أبدية.
القديس أغسطينوس



"قال هذا في المجمع وهو يعلم في كفرناحوم". (59)

+ رأوه يعلِّم الجميع علنًا في المجمع، كما يقول هو نفسه بالنبي إشعياء أيضًا: "لم أتكلم بالخفاء في مكانٍ مظلم من الأرض" (إش ٤٥: ١٩)، لأنه كان يتكلم بتلك الأمور علنًا.
القديس كيرلس الكبير



يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح ألقي حديثه في المجمع لسببين: الأول لكي يقتنص أكبر عدد ممكن من أعدائه، والثاني أنه أراد تأكيد عدم معارضته للآب. فإن كانوا يخدمون الله في الهيكل، فهو لا يتحاشى الهيكل بل يحسبه بيت أبيه الذي يعلم فيه.
تذمر البعض



"فقال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا:

إن هذا الكلام صعب،

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:10 pm

من يقدر أن يسمعه؟" (60)

واضح أنه بجوار الاثني عشر تلميذًا كثيرون كانوا يصحبونه. استصعب بعضهم حديثه بخصوص شخصه كسماوي، وتقديم جسده ودمه حياة أبدية، فتركوه.

+ يبهج الإنسان الروحي نفسه بكلمات مخلصنا، ويصيح عن حق: "ما أحلى قولك لحنكي، أحلى من العسل لفمي" (مز ١١٩: ١٠٣). أما الجسداني ففي جهل يحسب السرّ الروحي حماقة... يليق بالذي يركض نحو استقامة الإيمان الذي في المسيح أن يسافر عبر طريق ملوكي.

القديس كيرلس الكبير

+ يعطينا الرب جسده لنأكل، مع هذا إن فهمناه حسب الجسد فهذا موت، بينما يقول عن جسده أن فيه حياة أبدية. لهذا يلزمنا ألا نفهم الجسد جسدانيًا.
القديس أغسطينوس



"فعلم يسوع في نفسه أن تلاميذه يتذمرون على هذا،

فقال لهم أهذا يعثركم؟" (61)

بقوله هذا لتلاميذه أوضح لهم أنه السماوي العارف بالقلوب. وإذ لا يمكن أن يُخدع بالمظهر لا يخدع هو أيضًا غيره. بهذا أوضح لهم أنه الله وتعليمه هو الحق.

"فعلم يسوع في نفسه أن تلاميذه يتذمرون على هذا" (٦١).علم أفكارهم الداخلية بسلطانه الإلهي، إذ لا يُخفى عنه شيء ما، وليس خلال إعلان إلهي كما كان يحدث مع بعض الأنبياء. إنه الكلمة الإلهي الذي يميز أفكار القلب (عب ٤: ١٢-١٣). لذا لاق بنا أن نقدس أفكارنا بروحه القدوس، وليس فقط كلماتنا المنطوق بها وتصرفاتنا الظاهرة.

"فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أولا". (62)

هنا يقدم تلميحًا لصعوده إلى السماء، لأن التمتع بجسد الرب ودمه يهبنا رفع القلب والذهن وكل الكيان الداخلي للتمتع بالشركة مع المسيح السماوي.

+ استخدم المسيح هذا المعنى في وقت خطابه مع نثنائيل، إذ قال له: هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا" (يو 1: 50). وفي وقت مفاوضته نيقوديموس قال: "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو 3: 13).
القديس يوحنا الذهبي الفم



+ لم يعرفوا جمال السرّ، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك فإنهم قد تناقلوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيءٍ من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم، لأن كل شيء عريان ومكشوف لعينيه (عب ٤: ١٣)، فإنه يشفي أسقامهم أيضًا مرة أخرى، فيقودهم بيده بطرقٍ متنوعة إلى فهم هذه الأمور التي كانوا لا يزالوا يجهلونها بعد... إن كنتم تفترضون أن جسدي لا يستطيع أن يهبكم حياة، فكيف له أن يصعد إلى السماء كطائرٍ؟ لأنه إن كان لا يقدر أن يحيي، لأنه ليس من طبيعته أن يحيي، فكيف سيحلق في الهواء، وكيف يصعد إلى السماء؟ لأن هذا أيضًا مستحيل. لكن ذاك الذي جعل الجسد الأرضي سماويًا، فسيجعله واهبًا للحياة أيضًا حتى إن كانت طبيعته تتحلل، فيما يختص بتكوينه الخاص.
القديس كيرلس الكبير



+ قال لهم إنه سيصعد إلى السماء، حتمًا بكليته. "فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أولاً" (62). عندئذ بالتأكيد على الأقل سترون أنه لا يكون ذلك بالطريقة التي تظنون أنه بها يوزع جسده. بالتأكيد عندئذ سيدركون أن نعمته لا تًُستهلك بالأكل.
القديس أغسطينوس



"الروح هو الذي يحيي،

أما الجسد فلا يفيد شيئًا،

الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة". (63)

+ حينما تمعنون النظر في سرّ التجسد، وتعرفون من هو ذاك الذي حلّ في هذا الجسد، تشعرون حتمًا ودون أن تتهموا الروح الإلهي نفسه أيضًا، أن الجسد يمكنه أن يهب حياة، مع أن الجسد في حدّ ذاته لا يفيد شيئًا البتة. لأنه إذ اتحد الجسد بالكلمة واهب الحياة صار واهبًا للحياة كلية، مرتفعًا إلى قوة الطبيعة الأكثر علوًا، دون أن يلزم ذاك الذي لا يمكن إخضاعه بأي حال إلى التحول إلى طبيعته الخاصة.
القديس كيرلس الكبير



+ "الروح هو الذي يحي، وأما الجسد فلا يفيد شيئًا". هذا هو ما يقوله: يوجد احتياج أن تستمروا في الاستمتاع روحيًا بالأمور الخاصة بي، لأن من يسمع جسدانيًا لا ينتفع شيئًا، ولا ينتفع بأي صلاح". إنه لأمر جسداني أن تحتقروا من نزل من السماء، وتظنوه انه ابن يوسف.

كيف يمكن لهذا أن يعطينا جسده لنأكل؟ (52). كل هذه الأمور جسدانية، بينما يوجد احتياج لفهمهما سرائريًا وروحيًا...

"الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة" (63)، بمعنى إنها كلمات إلهية روحية، ليس فيها شيء جسدي، ولا تتبع نظام الطبيعة، بل هي متحررة من مثل هذه الضرورة، وهي فوق القوانين نزلت لأجل هذا العالم، ولها أيضًا معني آخر مختلف.

الآن كما في هذه العبارة قال "روح" عوضًا عن "روحي"، لذلك عندما يتحدث عن جسد لا يقصد أمورًا جسدية بل الاستماع الجسداني، مشيرًا في نفس الوقت إليهم، لأنهم دائمًا يطلبون الجسديات عندما كان يلزمهم أن يطلبوا الروحيات. فإن من يتقبلها جسدانيًا لا ينتفع شيئًا.

ماذا إذن هل جسده ليس بجسد؟ بالتأكيد هو، فكيف يقول إذن "الجسد لا ينفع شيئًا"؟ إنه لا يتحدث عن جسده، حاشا! بل عن الذين يقبلون كلماته بطريقة جسدانية. ماذا "يفهم جسدانيًا؟ التطلع إلي ما هو أمام عيوننا مجردًا دون تصور ما هو وراءه، هذا هو الفهم الجسداني. ولكن يليق بنا ألا نحكم هكذا بالنظر بل نتطلع إلي كل الأسرار بالعيون الداخلية. هذا هو "النظر روحيًا".

القديس يوحنا الذهبي الفم

يتساءل القديس أغسطينوس: كيف يقول السيد المسيح: "أما الجسد فلا يفيد شيئًا (62)، بينما الكلمة صار جسدًا، وهو نفسه يقدم لنا جسده؟ يجيب على ذلك بأن الحديث هنا مثل القول بأن العلم (المعرفة) ينفخ، بينما المحبة تبني (1 كو 8: 1)، فالعلم بدون محبة ينفخ، لكن هذا لا ينفي أهمية العلم. هكذا الجسد بدون الروح لا ينفع شيئًا، فمن يقبل جسد المسيح بطريقة جسدانية كمن يأكل طعامًا ماديًا بحتًا، فتناوله لا يفيده شيئًا. [لتضف الروح إلى الجسد، كما يُضاف الحب إلى العلم. إن كان خلال الجسد ينفعنا المسيح جدًا فهل لا يفيد الجسد شيئًا؟ إنه بالجسد يعمل الروح لخلاصنا. كان الجسد إناءً، تأملوا ما يحويه، لا ما هو عليه (وحده). أليس أُرسل التلاميذ، فهل أجسادهم لم تنفع شيئًا؟ إن كانت أجساد الرسل نفعتنا فهل يمكن لجسد المسيح ألا ينفع شيئًا؟... لهذا "الروح هو الذي يحيي، أما الجسد فلا ينفع شيئًا"، وذلك حسبما يفهمون الجسد، وليس كما أعطي جسدي لكي يؤكل].

+ إنه الروح هو الذي يجعلنا أعضاء حيين... قيل هذا لكي نحب الوحدة ونخشى الانشقاق. فإنه ليس شيء يلزم أن يخافه المسيحي مثل الانفصال عن جسد المسيح، وإذ لا يكون عضوًا في المسيح لا يحيا بروح المسيح. يقول الرسول: "إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له" (رو 8: 9).
القديس أغسطينوس



"ولكن منكم قوم لا يؤمنون،

لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون،

ومن هو الذي يسلمه". (64)

الحديث هنا خاص بيهوذا الذي سيسلمه وأيضا عن الذين تركوه، معلنًا أن ما سيحدث ليس بغريبٍ عنه، لأنه من البدء عالم بكل هذا. كما يكشف أن ما يحدث هو بكامل حريتهم. كل النفوس مكشوفة أمام السيد المسيح، فهو يعلم الأمناء المخلصين في إيمانهم، والمخادعين الذين يسلكون في رياء.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:10 pm

+ لم يقل: منكم قوم لا يفهمون، بل أخبرنا عن السبب لماذا لا يفهمون. "ولكن منكم قوم لا يؤمنون" (64)، لذلك لا يفهمون، إذ هم لا يؤمنون. إذ يقول النبي: "إن لم تؤمنوا لا تفهمون" (إش 7: 9). نحن نتحد بالإيمان، ونحيا بالفهم. لنقترب إليه أولاً بالإيمان حتى نحيا بالفهم. لأن من يقترب لا يُقاوم، ومن يقاوم لا يؤمن. كيف يمكن للمقاوم أن يحيا؟ إنه خصم لشعاع النور الذي به يفهم، إنه لا يغمض عينيه بل يغلق ذهنه. لذلك "منكم قوم لا يؤمنون". ليؤمنوا وينفتحوا، لينفتحوا ويستنيروا.

+ كان يهوذا حاضرًا هناك... صمت الرب عن ذكر اسمه. لقد وصفه ولم يذكر اسمه، ومع ذلك لم يصمت عن الحديث عنه. حتى يخاف الكل وإن كان واحد هو الذي يهلك.
القديس أغسطينوس



"فقال: لهذا قلت لكم

إنه لا يقدر أحد أن يأتي إليّ إن لم يعطَ من أبي". (65)

لا يعني هذا أن الله يميز بين فريق وآخر، إنما من يطلب يجد، ومن يسأل عن الحق يسلمه الآب للحق ويثبته فيه فلا يسقط.

+ كما كان الأمر بالنسبة للذين لم يؤمنوا بالله في البرية انهم حُرموا من دخول أرض الموعد، هكذا أيضًا بالنسبة للذين لا يكرمون المسيح لعدم إيمانهم لا يُمنح لهم دخول ملكوت السماوات.

القديس كيرلس الكبير

+ إنه لأمر عجيب، عندما يُكرز بالمسيح المصلوب، اثنان يسمعان، واحد يحتقر والثاني يصعد. ليت الذي يحتقر ينسب لنفسه هذه التهمة (عدم الإيمان)، وأما الذي يصعد لا ينتحل (إيمانه) لنفسه. إذ يسمع من السيد نفسه: "لا يقدر أحد أن يأتي إليَّ ما لم يُعطَ من أبي" (٦٥). ليفرح أنه نال. ليقدم شكرًا لذاك الذي وهبه هذا، بقلبٍ متواضعٍ لا متعجرف، لئلا ما ناله خلال التواضع يفقده بالكبرياء.

+ أن نؤمن فذاك يُعطى لنا، فإننا إذ نؤمن فهذا شيء. وإن كان هذا شيئًا عظيمًا فلتفرحوا أنكم تؤمنون، وإن كنتم لم ترتفعوا بعد، لأنه "أي شيء لك لم تأخذه"؟ (1 كو 4: 7).

+ لكي يعلمنا أن هذا الإيمان عينه هو عطية وليس عن استحقاق يقول: "لهذا قلت لكم انه لا يقدر أحد أن يأتي إلىّ إن لم يُعط من أبي" (٦٥). الآن أين قال الرب هذا، فإننا إذ نتذكر كلمات الإنجيل نجد الرب يقول: "لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب" (٤٤). لم يقل: "يقود" بل "يجتذب".

هذا العنف (للجذب) يحدث للقلب لا للجسم. لماذا إذن تتعجبون؟ َآمنوا فتأتوا؛ حبوا فتُجذبوا.

لا تفترضوا هنا نوعًا من العنف القاسي أو الصعب بل هو عنف رقيق، إنه عذب، إنها العذوبة عينها هي التي تجتذبكم.

ما الذي يجتذب القطيع عندما يُظهر له العشب الطازج أثناء جوعه؟ مع هذا فإنني لا أتصور اجتذابًا جسديًا، بل هو ارتباط سريع بالرغبة (في الأكل).

بهذه الطريقة تأتون أنتم أيضًا إلى المسيح.

لا تفهموا ذلك انه رحلات طويلة، وإنما أينما تؤمنون تأتون. فإننا نأتي إلى ذاك الذي هو في كل موضع، نأتي إليه بالحب لا بالإبحار. فإنه في مثل هذه الرحلة أمواج التجارب المتنوعة هياجها شديد.

آمن بالمصلوب، فيستطيع إيمانك أن يصعد بك إلى الخشبة.

إنك لن تغرق، بل تحملك الخشبة. هكذا وسط أمواج هذا العالم كان يبحر ذاك القائل: "وأما أنا فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح"
القديس أغسطينوس



"من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء،

ولم يعودوا يمشون معه". (66)

+ حسنًا يقول الإنجيلي ليس انهم رحلوا بل "رجعوا إلى الأمور التي تركوها إلى خلف"، معلنًا أنهم حرموا أنفسهم من أي نمو في الفضيلة، وباعتزالهم فقدوا الإيمان الذي كان لهم قديمًا. لكن هذا لم يحدث للإثنى عشر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى القديس كيرلس الكبير أنه كما يهرب ضعيفو البصر من الشمس ويُسرون بالجلوس في الأماكن المظلمة، هكذا بالنسبة لمرضى الذهن يهربون من المسيح شمس البرّ، الذي يكشف السرّ الإلهي العظيم. هكذا أيضًا فعل شعب إسرائيل عندما عاد يشوع بعد تجسس أرض الموعد، فقد ثاروا عليه، ورجعوا إلى الوراء وخسروا مصاحبتهم ليشوع كي يعبروا إلى أرض الموعد.

+ ما هو ثمين في عيني الله ليس على الإطلاق عدد العابدين، بل سمو إيمانهم الصحيح حتى وإن كان عدد المؤمنين قليلاً. لهذا يقول الكتاب الإلهي أن كثيرين مدعوون وقليلين جدًا الذين يُقبلون.
القديس كيرلس الكبير



+ ربما كُتب هذا لتعزيتنا. لأنه أحيانًا يحدث أن يعلن إنسان الحق فلا يُفهم قوله، فيعارضه سامعوه ويتركوه. يتأسف الإنسان أنه قال الحق، ويقول في نفسه: "كان يليق بي ألا أتكلم هكذا، كان يلزمني ألا أقول هذا".

انظروا فإن هذا قد حدث مع الرب. لقد تكلم وفقد الكثيرين، وبقي معه قليلون. ومع هذا لم يضطرب، لأنه عرف من البداية من الذين يؤمنون ومن الذين لا يؤمنون. إن حدث هذا معنا فإننا ننزعج بمرارة. لنجد راحة في الرب ولنتكلم بوقار.
القديس أغسطينوس.


إلى من نذهب؟



"فقال يسوع للاثني عشر:

ألعلكم أنتم أيضًا تريدون أن تمضوا؟" (67)

جاء حديث السيد المسيح مع الاثني عشر متشددًا، فهو يطلب مؤمنين يثقون فيه، ويثبتون في الحق بكامل حرية إرادتهم دون ضغط أو حرج. لقد اختارهم من العالم، وسلمهم الأسرار الفائقة وقدم لهم إمكانياته وتلامسوا مع حياته الإلهية، وبقي لهم أن يقرروا بأنفسهم دون تردد، لأنهم قادمون على السير في طريق الصليب.

لم يقل شيئًا للذين رجعوا إلى الوراء، فإنه لا يُلزم أحدًا بالإيمان، لكنه استخدم ذلك لتثبيت إيمان تلاميذه.

+ فإن قلت: فلماذا لم يمدحهم؟ أجبتك: إنه جمع في ذلك غرضين، أولهما: حفظ الرتبة اللائقة بالمعلم، لأنه لو كان مدحهم لظنوا أنهم قد أسدوا إليه بعطية، ثانيهما إيضاحه أنه ليس محتاجًا إلى إتباعهم إياه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ إنه لم يوبخ الذين تركوه ولا هددهم بطريقة عنيفة بل بالأحرى اتجه نحو تلاميذه قائلاً: "أتريدون أنتم أيضًا أن تمضوا؟"، محترمًا بالحق القانون الذي به يمارس الإنسان حريته ويبقى في حرية إرادته يختار الموت أو الخلاص.

الشهيد كبريانوس



"فأجابه سمعان بطرس:

يا رب إلى من نذهب،

كلام الحياة الأبدية عندك؟" (68)

امتاز القديس بطرس بغيرته المتقدة واستعداده الدائم، لذا أجاب في الحال ليس فقط عن نفسه، بل وعن التلاميذ. لقد أدرك أنهم لن يستطيعوا التمتع بالحياة الأبدية بدون المخلص المسيا. من يلتصق به لا يقدر الموت الأبدي ولا الجحيم ولا العذابات الأبدية أن تلحق به. لا يستطيع العالم ولا الجسد ولا الشيطان أن يقدموا حياة أبدية.

لم يقبل البعض حديث السيد المسيح فرجعوا عنه، بينما ازداد البعض اقترابًا إليه وأدركوا مع بطرس الرسول قوة كلمته واهبة الحياة الأبدية. يقدم حديثه رائحة حياة لحياة ورائحة موت لموت.

تحدث القديس بطرس باسم كل نفسٍ ملتصقة بالسيد المسيح، كما تحدثت راعوث مع حماتها: "لا تلحي عليَّ أن أتركك وارجع عنك لأنه حيثما ذهبت أذهب، وحيثما بتِ أبيت" (را ١: ١٦). وفي شجاعة رفض نحميا أن يترك موقع العمل ويختفي في الهيكل ويغلق أبوابه عليه لئلا يقتلوه، قائلاً: "أرجل مثلي يهرب؟" (نح ٦: ١١).

"يا رب إلى من نذهب؟" (٦٨) إن ذهبنا إلى الآباء البطاركة يردونا إليك لأن إبراهيم رأى يومك فتهلل، وإن ذهبنا إلى موسى يقدم لنا الناموس قائدنا إليك. وإن ذهبنا إلى رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين نجلس عند أقدامهم، ماذا يقدمون سوى رياءهم وبغضهم للحق؟ من يعلن لنا الحق سواك؟ ومن يهبنا الحياة الأبدية إلاَّ أنت؟

+ يلزمنا أن نجلس بجوار المعلم الواحد الوحيد، المسيح، ونلتصق به بلا انقطاع ولا انفصال عنه، ونجعله سيدنا الذي يعرف حسنًا كيف يقود أقدامنا إلى الحياة التي بلا نهاية... لأنه هكذا يليق بنا أن نرتقي إلى المنازل السماوية الإلهية، ونسعى إلى كنيسة الأبكار لنعيد بالصالحات التي تفوق إدراك الإنسان.

+ كأنهم يقولون: معك سنبقى، وبوصاياك نلتصق إلى الأبد، ونقبل كلماتك دون أن نعثر بها.
القديس كيرلس الكبير



يرى القديس كيرلس الكبير أن ما حدث في أثناء رحلة بني إسرائيل في البرية كان رمزًا للحقيقة التي نعيشها الآن. فقد جاء في سفر العدد أن القائد الحقيقي للشعب هو الله نفسه. فقد ظهر على شكل سحابة تظللهم، متى ارتفعت عن الخيمة تحركت المحلة، ورحل الجميع، وحيث حلت السحابة ينصبون خيامهم (عد ٩: ١٥-١٨). هكذا نلتصق نحن بالرب، ولا نتحرك في موضع دون أمره [لا يمكننا أن نترك الرب، بل بالأحرى نجتهد أن نبقى معه روحيًا. هذا بالحق لائق بالأكثر بالقديسين].



"ونحن قد آمنا،

وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي". (69)

بحكمة روحية يقدم الرسول بطرس الإيمان عن المعرفة دون تجاهل لدور المعرفة. فقد آمنوا بابن الله الحي، وعرفوا أسراره بالالتصاق به والشركة معه.

+ نادى الكلمة بهذه التعاليم من خلال الشبابيك إلى عروسه، وهى الحمامة، فاستجابت لجماله، لأنها استنارت بشعاع الفهم وتعرفت على الصخرة وهو المسيح. إنها تقول: "أرني وجهك، اسمعني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل" (نش 14:2)... رأى سمعان مثل ما أرادت العروس أن ترى. وهؤلاء الذين استقبلوا صوت المسيح الحلو تعرفوا على نعمة الإنجيل وصرخوا: "يا رب إلى من نذهب. كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 68:6).
القديس غريغوريوس النيسي

+ يقولون أنهم يؤمنون ويعرفون، فيربطون الأمرين معًا. لأنه يجب على الإنسان أن يؤمن وأيضًا أن يفهم. ليس معنى أننا نقبل الأمور الإلهية بالإيمان أن نبتعد تمامًا عن أي فحص لها، بل نحاول بالأحرى أن نبلغ إلى معرفة معتدلة، كما يقول بولس: "كما في مرآةٍ كما في لغزٍ" (١ كو ١٢: ١٢). حسنًا إنهم لم يقولوا عرفوا أولاً ثم آمنوا، إذ

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:10 pm

يضعون الإيمان أولاً ويلحقونه بالمعرفة، ولكن ليس قبل الإيمان. كما هو مكتوب: "إن لم تؤمنوا لن تفهموا" (إش ٧: ٩).
القديس كيرلس الكبير



+ ليس أننا عرفنا وآمنا بل "آمنا وعرفنا" (69). لقد آمنا لكي نعرف؛ لأننا إن أردنا أن نعرف أولاً وعندئذ نؤمن، لن نستطيع أن نعرف ولا أن نؤمن...

ماذا آمنا وعرفنا؟ "أنت المسيح ابن اللَّه الحيّ" (69)، بمعنى أنت هو الحياة الأبدية عينها، تهبها في جسدك ودمك فقط اللذين هما أنت.
القديس أغسطينوس



"أجابهم يسوع:

أليس إني أنا اخترتكم الاثني عشر وواحد منكم شيطان؟" (70)

صحح السيد المسيح حديث القديس بطرس معلنًا أنه وهو الذي اختارهم تلاميذ له يعلم أنه يوجد بينهم شخص قَبِلَ أن يكون أداة في يد الشيطان القتال منذ البدء، والذي لا يعرف الحب بل البغضة والخيانة.

+ اسأله لماذا اختار يهوذا الخائن؟ لماذا عهد إليه بالخزانة مع معرفته أنه لص؟ هل أخبرك بالسبب؟ اللَّه يحكم حسب الحاضر لا حسب المستقبل. إنه لا يستخدم سابق معرفته ليدين إنسانًا مع معرفته أنه فيما بعد يفعل ما لا يسره.

لكنه في صلاحه ورحمته التي لا يُنطق بها يختار إنسانًا يعرف أنه إلى حين هو صالح، لكنه سيتحول إلى الشر، مقدمًا له فرصة التغيير والتوبة. هذا ما يعنيه الرسول بقوله: "غير عالم أن لطف اللَّه إنما يقتادك إلى التوبة؛ ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة اللَّه العادلة، الذي سيجازي كل واحدٍ حسب أعماله" (رو4:2-6).

آدم لم يخطئ لأن اللَّه سبق فعرف أنه سيفعل هكذا. اللَّه بكونه اللَّه سبق فعرف ما سيفعله آدم بكامل حرية إرادته.
القديس جيروم



+ إنه يظهر أن الذين ينسحبون من المسيح يهلكون بخطأهم، أما الكنيسة التي تؤمن به والتي تتمسك بما تعلمته مرة فلن تنسحب منه نهائيًا. والذين يبقون في بيت الله هم الكنيسة.
الشهيد كبريانوس



+ بتوبيخه يوقظ فيهم الصحوة، ويجعل كل واحدٍ منهم أكثر ثباتًا بالنسبة لنفسه. لأنه لم يقل بعد بصراحة من الذي سيخونه، بل يلقي بنير الإثم على واحدٍ وحده دون تحديد، فيضعهم جميعًا أمام التحدي، ويدعوهم إلى مزيد من الاهتمام والحذر، إذ يرتعد كل واحدٍ منهم خشية خسارة نفسه.

+ دعا الذي يفعل إرادة الشيطان "شيطانًا"، وهذا حق لأنه كما أن "من التصق بالرب فهو روح واحد" (١ كو ٦: ١٧)، فالعكس صحيح أيضًا.
القديس كيرلس الكبير



+ لاحظوا حكمته، فإنه لم يعلن عن الخائن (لم يذكر اسمه)، ومع هذا لم يجعله مخفيَا، فمن جانب لا يفقد كل حيائه ويصير محتقرا، ومن الجانب الآخر لئلا يظن أن أمره غير مدرك فيمارس شره بلا خوف. لهذا كان السيد يوبخه بوضوح تدريجيا.
القديس يوحنا الذهبي الفم



"قال عن يهوذا سمعان الاسخريوطي،

لأن هذا كان مزمعًا أن يسلمه،

وهو واحد من الاثني عشر". (71)

أكثر السيد المسيح من الإشارة إلى الخائن دون تلميح نحو اسمه لكي يعطي يهوذا فرصة للتوبة ومراجعة نفسه إن أراد.

يتساءل البعض: لو أن يهوذا تراجع فكيف كان يمكن تحقيق النبوات؟ وكيف يتم خلاصنا؟ حتمًا كان يقبله الله وكانت خطة الخلاص تتحقق بطريق آخر، وتمت النبوات في شخص آخر، لأنها لم تشر إلى اسمه.

+ كان جاحدًا لمن قدم له نفعًا عظيمًا وكرامة عظيمة؛ لقد أخذ المال وفقد البرّ. بكونه ميتًا خان الحياة. فإن الذي تبعه كتلميذٍ له اضطهده كعدوٍ. كل هذا الشر هو من يهوذا، لكن الرب استخدم شره للخير. احتمل أن يكون موضع خيانة لكي يخلصنا. انظروا فإن شرّ يهوذا تحول إلى صلاحٍ. كم من شهداء اضطهدهم الشيطان. لو أن الشيطان توقف عن الاضطهاد لما كنا اليوم نحتفل بأكاليل الشهداء...، فإن ما يفعله الشرير من الشر يضره هو ولا يناقض صلاح اللَّه.

+ لننتفع أيها المحبوبون جدًا بهذا الهدف، ألا نتناول جسد المسيح ودمه في الأسرار مجردًا، كما يفعل كثير من الأشرار، بل نتناولهما بشركة الروح، فنثبت كأعضاء في جسد الرب، ونحيا بروحه، فلا نتعثر إن تناول كثيرون الآن الأسرار بطريقة زمنية، هؤلاء الذين ينالون في النهاية عقوبة أبدية. حاليًا جسد المسيح كما لو كان مختلطًا في موضع الدرس، "لكن الرب يعرف من هم له".
القديس أغسطينوس




من وحي يو 6

جسدك العجيب يقدِّس جسدي!


+ عيناك تتطلعان دومًا إلى الجموع القادمة إليك.

يقتربون إليك فلا يرجعون فارغين.

أنت مشبع الجياع، ومُروي الظمأى.

+ إني كغلامٍ صغير أُقدم لك الخمس خبزات والسمكتين.

أقدم لك أسفار موسى الخمسة وإنجيلي الذي وهبتني إيّاه.

افتح عن بصيرتي لأجد في كتابك طعامًا يشبع الملايين!

نعم هب لي مع شعبك أن أجلس على العشب.

هب لنفوسنا الملتهبة بروحك أن تقود أجسادنا وتسيطر عليها.

+ نجلس لنتمتع خلال كنيستك بطعامك الروحي.

تشبعنا بفيض، فتمتلئ سلال العالم بغنى نعمتك!

تروي نفوسنا، وتُشبع أجسادنا،

ولا تجعلنا في عوزٍ قط!

تبقى نفوسنا شاكرة لك فأنت مصدر كل البركات!

+ جئت يا كلمة متجسدًا،

فلا نخجل من أن نطلب منك كل احتياجاتنا.

اعترف لك يا صديق كل البشرية،

نفسي تئن من ثقل شهوات جسدي.

+ صرخاتي بلغت إلى سماواتك!

ويحي أنا الشقي، من ينقذني من جسدي المائت؟

بحبك صرت يا كلمة اللَّه جسدًا،

وعشت في وسطنا كواحدٍ منّا!

رأينا جسدك غير منفصل عن لاهوتك!

جسدك المقدس مصدر كل قداسة!

+ وهبتني جسدك ودمك مأكلاً ومشربًا حقًا!

أتمتع بهما فأثبت فيك وأنت فيّ!

أتطعم فيك يا أيها الكرمة الحقيقية،

فلن تقدر الخطية بعد أن تأسرني،

ولا الموت أن يسيطر عليّ،

مادمت متمتعًا بالاتحاد بك!

+ جسدك ودمك دواء لحياتي،

بهما انطلق من دائرة الفساد إلى عدم الفساد،

وانتزع نسبي لآدم الترابي،

فأصير ابنًا لك يا آدم الجديد!

عِوض التراب أصير بالحق سماءً!

+ اقبل يا مخلصي ذبيحة شكري.

كنت أود أن أتمتع بالمنّ في برية سيناء!

لكن آبائي أكلوه وماتوا!

الآن تهبني جسدك ودمك،

أتناولهما فلن أموت إلى الأبد،

لا بل أحيا معك، شريكًا في المجد حسب وعدك.

+ حقًا وعودك فائقة،

من يقدر أن يدركها غير الذين تجتذبهم بحبك!

رجع الكثيرون من وراءك،

إذ استصعبوا نوالهم ما لا يمكن إدراكه.

أما أنا فأصرخ مع تلميذك:

إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية هو عندك؟

أسمع صوتك العذب، فينسحب كل كياني بالحب إليك.

أسمع صوتك، فيُشرق بهاؤك على أعماقي.

أسمع صوتك، فتصمت أعماقي لتتمتع بعذوبة كلمتك!

عجيبة هي كلماتك، وسخيّة هي وعودك!

كلّك حب يا مخلص العالم!
+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:13 pm

اليوم الخامس ( الجمعة ) من الأسبوع السادس من الصوم الكبير


نبوات
باكر
قراءات القداس

تك 22 : 1 – 18
سفر طوبيا

مز 51 : 7 ، 8



يو 3 : 14 - 21


1كو10

1 - 13

1 يو 2

12 – 17

أع 8

9 - 17

مز34 : 5 ، 6

يو 3 : 1 - 13


من النبوات : سفر طوبيا : يقرأ بالكامل فى نبوات باكر



سفر طوبيا

يحكى سفر طوبيا أحداث عائلتين يهوديتين متصاهرتين وقد حلت بهم الضيقات

1 - عائله طوبيا:

كان طوبيا الاب من سبط نفتالى واسم امراته حنه ولد منها ابنا سماه باسمه وادبه على تقوى الله. وكان طوبيا رجلا اسرائيليا تقيا بارا ويوفى جميع بواكيره واعشاره ويصون نفسه من أطعمة الامم الوثنية وكان وهو فى السبى يطوف كل يوم على جميع عشيرته ويعزيهم ويواسى كل واحد من أمواله على قدر وسعه فيطعم الجياع ويكسو العراة ويدفن الموتى والقتلى بغيرة شديدة وحدث فى يوم انه تعب من دفن الموتى فحينما وصل بيته رمى بنفسه الى جانب الحائط ونام فوقع خطاف حديد فى عينيه وهو ساخن ففقد بصره وقد اذن الرب ان يقع فى هذه التجربة كما جرب أيوب وبالرغم من ذلك احتفظ بايمانه وثباته فى الرب.وكان اصحابه واقاربه يعيروه قائلين: أين رجاؤك الذى لاجله كنت تبذل الصدقات حينئذ تالم طوبيا جدا وطفق يصلى بدموع.

2 - عائله رعوئيل:

كانت سارة الابنة الوحيد لهذه العائله قد تسلط عليها شيطان كان يقتل كل من يتزوجها فى ليلة العرس حتى وصل عددهم الى سبعة. فصعدت الى عليه بيتها فاقامت ثلاثة أيام وثلاث ليال لا تاكل ولا تشرب بل استمرت تصلى وتتضرع الى الله بدموع ان يكشف عنها هذا العار.

فى ذلك الحين استجيبت صلوات الاثنين أمام مجد الله العلى فارسل الرب ملاكه رافائيل ليشفى كلا الاثنين

+ كان لطوبيا الاب مبلغ من المال كان قد اودعه وطلب من طوبيا الابن ان يذهب ليسترده.وافق طوبيا الابن ولكن كان فى حيره من امره فكيف يصل الى الرجل وهو لا يعرف الرجل ولا الطريق, فاوصاه ابيه ان يبجث عن رجل ثقه يصحبه فى الطريق باجرتة حتى يستوفى المال.

فتاهب طوبيا الابن للسفر وعندما خرج ظهر له الملاك رافائيل فى صوره بشر فساله ان كان كان يعرف الطريق الى بلاد الماديين فاجاب الملاك انه يعرفها ويعرف غابيليوس الرجل الذى كان لديه المال فاخده الى ابيه فوعده الفتى ان ياخذ ابنه ويعود به سالما.ثم ودع طوبيا أباه وامه وسار كلاهما معاً.

وفى الطريق خرج طوبيا ليغسل رجليه فى نهر دجلة فخرج حوت عظيم ليفترسه فصرخ فقال له الملاك :أمسك بخيشومه واجتذبه ففعل كذلك فاخذ يتخبط عند رجليه

فقال له الملاك: شق جوف الحوت واحتفظ بقلبه ومرارته وكبده فهو علاج مفيد.

وعندما وصلا الى المدينه سال طوبيا الملاك اين تريد ان تنزل؟

اجابه فى بيت راعوئيل وان جميع امواله سوف تكون لك وان ساره ابنته ستكون زوجه لك.فخاف طوبيا ان يصيبه ما اصاب ازواجها السبعه فقال له الملاك اذا تزوجتها فتفرغ معها للصلوات ثلاثه ايام واحرق كبد الحوت اول ليله فيهزم الشيطان.

ثم دخلا على رعوئيل فتلقاهما بالمسرة هو وزوجته حنه بعدما عرف انه ابن طوبيا صديقه.فطلب منه طوبيا زواج ابنته فارتعد راعوئيل لمعرفته ما اصاب السبعه رجال ولم يجيبه فشجعه الملاك وقال له لا تخاف ان تزوجه ابنتك لانه يخاف الله فاخد رعوئيل بيمين ابنته ساره وسلمها الى طوبيا قائلا:اله ابراهيم واسحق ويعقوب يكون معكما وكتبوا عقد الزواج ثم اكلوا وباركوا الله.

ففعل طوبيا كما امره الملاك واخرج كبد الحوت والقاه على الجمر المشتعل حينئذ قبض الملاك رافائيل على الشيطان واوثقه وقام طوبيا وساره وصليا بحرارة حتى يعافيهما الرب.

واستحلف رعوئيل طوبيا أن يقيم عنده اسبوعين واعطاه نصف ماله وكتب له النصف الباقى بعد موتهما. فطلب طوبيا من الملاك ان يذهب الى غابيليوس ليسترد اموال ابيه ففعل كما امره طوبيا.
ثم استاذن طوبيا من رعوئيل ان يدعه ينصرف ليذهب الى ابيه فاعطاه رعوئيل ساره ونصف امواله كلها من غلمان وجوارى ومواشى وابل وبقر وفضه وصرفه.
- وفيما هم راجعون قال الملاك لطوبيا فلنتقدم نحن قبل زوجتك والمواشى وعندما وصلوا قال الملاك لطوبيا اذا دخلت بيتك فاسجد فى الحال للرب الهك واشكره ثم قبل اباك واطل عينيه بمراره الحوت التى معك وللحين تنفتح عيناه, ففعل طوبيا كما امره الملاك فخرجت من عيني ابيه غشاوة فسحبها طوبيا وللوقت عاد الى طوبيا الاب بصره فمجد الرب هو وبيته وكل من يعرفه.

بعد ذلك دعا طوبيا ابنه واستشاره فى اى مكافاة ينبغى انا يكافوا بها الملاك رافائيل فاجابه طوبيا هل يرضى ان ياخذ النصف من كل ما جئنا به

وحين ذهبا ليعرضا عليه الاموال كشف الملاك حقيقته لطوبيا الاب ولابنه بعد ان كانا يحسبا انسانا وقالا لهما: باركا اله السماء واعترفا له أمام جميع الاحباء بما اتاكما من مراحمه , صالحة هى الصلاة مع الصوم والصدقة. حين كنت تصلى بدموع وتدفن الموتى وتترك طعامك كنت انا ارفع صلاتك الى الرب واذا كانت مقبوله امام الله كان لابد ان تمتحن بتجربة وقد ارسلنى الرب لاشفيك وأخلص سارة كنتك من الشيطان فأنا رافائيل الملاك أحد السبعه الواقفين أمام الرب, والان قد حان ان ارجع الى من ارسلنى وانتم فباركوا الله وحدثوا بجميع عجائبه. وبعد انا قال هذا ارتفع عن ابصارهم فلم يعودوا يعاينونه بعد ذلك.

ان للملاك رافائيل مكانه متميزة مثل ميخائيل وغبريال وفى بعض بلاد الغرب يتشفعون به شفاعة خاصة، الملاحون والبحارة وهيئات التمريض وفى بعض البلاد مثل النمسا وبولندا وهولندا والارجنتين يضعون صورة رئيس الملائكة رافائيل فى صدر المستشفيات وحجرات العمليات وبخاصة عمليات العيون على اعتبار أنه تقدم بوصفة طبيه لطوبيا بعد أن فقد البصر وعاد اليه بصره

شفاعة الملائكة فى البشر :

في الكتاب المقدس نجد شواهد وآيات كثيرة تعلمنا أن الملائكة القديسين يشفعون بالبشر. فأولاً في سفر أيوب الصديق من العهد القديم, في دفاع أليهو عن تأديب الله وعظمته يوضح لنا السفر أن الله يرعى الانسان بشفاعة ملاك له، في [ 33 : 23 ، 24 ] " إن وجد عنده مرسل وسيط واحد من ألف ليُعلن للانسان استقامته يتراءف عليه ويقول اطلقه من الهبوط في الهوة فقد وجدتُ فدية". فالملائكة تشفع بالبشر والله يرحمنا بشفاعتهم ، ويعتني بنا بواسطتهم.

في الرؤيا الأولى من سفر زكريا، يظهر واضحاً أن ملاك الرب قد شفع بأورشليم ومدن يهوذا وأن الرب رحمها بشفاعته في الآية [ زكريا 1 : 12 ] . فالكتاب يوضح جلياً أن الملائكة لا يخدمون البشر ويحمونهم وحسب.... لكن أيضاً يشفعون بهم وشفاعتهم فاعلية لدى الرب أي أن صلاة الملائكة من أجلنا تساعد في رحمة الله علينا.



+ المـلاك رافائيــل

أحد الرؤساء السبعة

رئيس الملائكة الجليل ) رافائيل) هو الثالث بين رؤساء الملائكة السبعة الواقفين أمام الله

وهم: ميخائيل، جبرائيل، رافائيل ، سوريال ، سيداكيئيل ، ساراثيئيل ، و أنانيئيل - وذلك حسب ما ورد

فى التقليد وكتب الكنيسة

والثلاثة الأوائل بين رؤساء الملائكة السبعه وهم ميخائيل وجبرائيل ورافائيل يوصفون فى الكتب الكنسية وطقوسها بأنهم الثلاثة العظماء المنيرون الأطهار

ويعرف رئيس الملائكة رفائيل بأنه مفرح القلوب

+ ان لكل من رؤساء الملائكة السبعة اسمه الذى يدل على اختصاصة الذى يتميز به فاسم (رافائيل) هو بالعبرانية RAPHAEL - ومعناه (الله هو الشافى ) أو( الشفاء من الله ) أو (الله يشفى )عيد رئيس الملائكة رافائيل
تعيد الكنيسة بتذكار رئيس الملائكة رافائيل فى 3 نسىء من كل عام ، و 13 كيهك تكريس اول كنيسة على اسمه

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:14 pm

كنائس على اسم رئيس الملائكة رافائيل
كنيسة رئيس الملائكة رافائيل بالتتالية - القوصية - اسيوط
كنسية رئيس الملائكة رافائيل بالمعادى - القاهره
كنيسة رئيس الملائكة رافائيل بصفط اللبن - الجيزة

+ + +


من النبوات : تكوين 22 : 1 – 18



تكوين – الأصحاح الثانى والعشرون

ذبح إسحق

إن كان نجم إبراهيم أب الآباء قد تلألأ فى سماء الروح إنما من أجل إيمانه الذى رفعه فوق الأحداث ، فكانت العطايا تزيده شكرا لله دون تعلق بها ، والضيقات تزكيه أمام الكل ... لقد عاش سنوات غربته سلسلة من النصرات غير المتقطعة . الآن إذ فرح مع إمرأته سارة من أجل إسحق إبن الموعد اللذين قبلاه فى شيخوختهما عطية إلهية فائقة ، فقد طلبه الرب منه ذبيحة حب . وبقدر ما قست التجربة جدا تمجد إبراهيم وإسحق إبنه ، فصارا يمثلان صورة حية لعمل الله الخلاصى خلال ذبيحة الصليب وإعلان قيامة المسيا .
( 1 ) إمتحان الله لإبراهيم



إن كانت الكنيسة تعتز بيوم " الخميس الكبير " أو " خميس العهد " الذى فيه تذكر تقديم السيد المسيح ذبيحة العهد الجديد لتلاميذه قائمة على الصليب ، لم تجد الكنيسة صورة أوضح من تقدمة إبراهيم إسحق إبنه محرقة للرب كصورة حية لعمل الصليب ، حيث يقدم الآب إبنه فدية عن خلاص العالم ، لهذا جاءت " قسمة قداس خميس العهد " منصبة على ذبح إسحق ، وستبقى الأجيال كلها ترى فى هذا العمل الإيمانى مثلا حيا وفائقا يكشف عن ذبيحة السيد المسيح .

يقول الكتاب : " وحدث بعد هذه الأمور أن الله إمتحن إبراهيم . فقال له : يا إبراهيم ، فقال : هأنذا . فقال : خذ إبنك وحيدك الذى تحبه إسحق ، وإذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذى أقول لك " ( ع 1 ، 2 ) .

سمح الله لأبراهيم بالتجربة لكى يزكيه أمام الكل ويعلن إيمانه القوى الخفى ، فيكون مثلا حيا للآخرين .

بالروح عرف الرسول بولس عاطفة إبراهيم وأفكاره ، معلنا إياها بقوله : " بالأيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مجرب ، قدم الذى قبل المواعيد وحيده ، الذى قيل له بإسحق يدعى لك نسل ، إذ حسب أن الله قادر على الأقامة من الأموات " ( عب 11 : 17 ) . لقد سلمنا الرسول أفكار هذا الرجل المؤمن ، إذ كانت أفكاره هكذا من جهة إسحق ، وهذه هى أول مرة يظهر فيها الأيمان بالقيامة ، فقد ترجى إبراهيم قيامة إسحق – هكذا كشفت التجربة عن قلب إبراهيم أب الآباء كإنسان يؤمن بالقيامة من الأموات .

إن كان إبراهيم انطلق بإبنه نحو المذبح ، فقد رجع من التجربة يحمل إسحق وكأنه قائم من الأموات ، رمزا للسيد المسيح الذبيح القائم من الأموات .

لماذا طلب الله من إبراهيم أن يقدم إبنه ذبيحة ، مع أن الشريعة الموسوية فيما بعد حرمت الذبائح البشرية ؟

بلا شك كان الوثنيون يقدمون أبكارهم ذبائح لآلهتهم ، وكانت هذه التقدمات لا تحمل حبا من جانب مقدميها بقدر ما تكشف عن روح اليأس الذى يملأ قلوبهم ، إذ كانوا يودون غفران خطاياهم بأى ثمن ، كما كانوا يودون استرضاء آلهتهم المتعطشة إلى الدماء ! لهذا فإن الله طالب إبراهيم خليله بهذه التقدمة ليعلن للوثنيين قلب إبراهيم المحب لله ، إذ هو مستعد أن يقدم أثمن ما لديه ، وفى نفس الوقت إذ قدم الله كبشا عوض إسحق أعلن عدم قبوله الذبائح البشرية ، ليس عن جفاف فى محبة المؤمنين لله ، وإنما فى تقدير الله للإنسان ، إذ لا يطلب سفك دمه وهلاكه ! الله لا يطيق الذبائح البشرية ، إذ هو محب للبشر ، يشتهى حياتهم لا هلاكهم ، مقدما إبنه الوحيد فدية عنهم ، هذا الذى وإن صار إنسانا لكنه وحده لا يقدر الموت أن يملك عليه ولا الفساد أن يقترب منه .

( 2 ) إسحق فى الطريق :

" فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره وأخذ إثنين من غلمانه ومعه إسحق إبنه وشقق حطبا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذى قال له الله " ( ع 3 )

إذ سمع إبراهيم الأمر الإلهى مع ما بدأ كمتناقض لمواعيده السابقة فى طاعة قام لينفذ الأمر ، إنطلق للعمل " باكرا " فى الصباح دون تراخ من جانبه ، وبغير جدال أو شك فى مواعيد الله .

يعلق القديس يوحنا الذهبى الفم على عدم إستشارة إبراهيم لزوجته سارة فى هذا الأمر : إن كان لنا شخص عزيز لدينا كعضو فى العائلة ؛ ليتنا لا نظهر له أعمال محبتنا ( لله ) ما لم تحتم الضرورة .

" وفى اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد " ( ع 4 ) .

إن اليوم الثالث إنما يشير إلى قيامة السيد المسيح ، وكأن إبراهيم قد دخل مع الرب فى القبر وعاش معه آلامه حتى انبثق نور قيامته فى فجر الأحد ( اليوم الثالث ) فرفع عينيه وأبصر الموضع من بعيد .

كانت عيناه قبلا منخفضتين نسبيا ومتذللتين ؛ ربما حاربه العدو بسارة التى تركها الآن فى الخيمة ولم يخبرها عن خروجه مع إبنه ليذبحه ... أو ربما أراد الشيطان أن يشككه فى مواعيد الله له .. ، وربما حاربه بمحبته لأبنه وشفقته عليه .. ، لكن على أى الأحوال لم يتوقف إبراهيم عن السير فى الطريق ثلاثة أيام ، وكأنه ببنى إسرائيل الذين طلب إليهم الرب أن يقدموا ذبيحة على مسيرة ثلاثة أيام ( خر 5 : 3 ) ، إذ لا تقبل ذبيحة خارج دائرة قيامة ربنا يسوع المسيح . هكذا فى اليوم الثالث رأى إبراهيم علامة القيامة بطريقة أو بأخرى فرفع عينيه وأبصر الموضع من بعيد ، ما هو هذا الموضع إلا السيد المسيح نفسه الذى فيه يرى إسحق إبنه قائما من الموت معه وبه أيضا !

امتلأت نفس إبراهيم تعزية لمعاينة سر المصلوب القائم من الأموات ، فتهلل فى داخله إذ رأى يوم الرب ( يو 8 : 56 ) . تحول أتون التجربة إلى ندى سماوى بظهور السيد المسيح المصلوب القائم من الأموات أمام بصيرة إبراهيم أب الآباء .

" فقال إبراهيم لغلاميه : إجلسا أنتما مع الحمار ، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما ...

فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحق إبنه وأخذ بيده النار والسكين وذهب كلاهما معا " ( ع 5 ، 6 ) .

الخادمان اللذان أمرهما إبراهيم بالبقاء مع الأتان يشيران إلى الشعب اليهودى الذى لم يستطع أن يصعد ويبلغ إلى موضع الذبيحة ، إذ لم يريدوا الأيمان بالمسيح ، الآتان تشير إلى المجمع اليهودى ، والكبش الموثق فى الغابة بقرنيه يبدو أنه يرمز إلى المسيح ، لأن المسيح أوثق بين الأشواك بقرون إذ علق على خشبة الصليب وسمر بالصليب ....

كان الكبش قويا ، وربطه إشارة إلى إرادة السيد المسيح أن يربط لاهوته حتى يتمم عملية الفداء الذى جاء من أجله .. ولا ينتقم من صالبيه !

عندما حمل إسحق الخشب للمحرقة كان يرمز للمسيح ربنا الذى حمل خشبة الصليب إلى موضع آلامه ، هذا السر سبق فأعلنه الأنبياء ، كالقول : " وتكون الرئاسة على كتفيه " ( إش 9 : 5 ، 6 ) .

أما القول : " فذهب كلاهما معا " فتشير إلى أن هذه الذبيحة هى ذبيحة إبراهيم كما هى ذبيحة إسحق ، قدم إبراهيم إبنه الوحيد خلال الحب الفائق ، وقدم الإبن ذاته خلال الطاعة الكاملة ، فحسبت الذبيحة لحساب الأثنين معا .

إذ سار إسحق مع إبراهيم نحو المذبح ، بدأ الأبن يسأل أباه : " يا أبى .. هوذا النار والحطب ، ولكن أين الخروف للمحرقة ؟! "

يقول العلامة أوريجانوس : فى هذه اللحظة تتجسم فى كلمة الإبن [ يا أبى ] أقسى مواقف التجربة ، تصوروا إلى أى درجة يستطيع صوت الإبن الذى سيذبح أن يثير أحشاء أبيه ؟! لكن إيمان إبراهيم الثابت لم يمنعه من الأجابة بكلمة رقيقة : " هأنذا يا إبنى " !!

فى الإيمان بالقدر أن يقيم من الأموات قال إبراهيم :

" الله يرى له الخروف يا إبنى " ( ع 8 ) ، وقد رأى الآب الحمل الحقيقى ، يسوع المسيح ، الذى قدمه ليس فدية عن إسحق وحده بل عن العالم كله .

( 3 ) إقامة المذبح وتقديم الذبيحة :

بلغ إبراهيم الموضع الذى رسمه الله ، والمذبح قد بنى ، والحطب الذى حمله إسحق قد رتب ، وربط إسحق بيدى أبيه ووضع على المذبح فوق الحطب ، ومد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبحه .. كانت الأمور تسير فى جو من الهدوء الداخلى ، إبراهيم يؤمن بالله الذى لن يتخلى عن مواعيده ، وإسحق فى طاعة يمتثل للذبح ولم تبق إلا لحظات ليذبح الإبن ويقدم محرقة .

قُبلت تقدمة إبراهيم وإن لم تتحقق بطريقة حرفية ، الله لا يطلب الدم بل الطاعة اللائقة . وحسب إسحق إبنا للطاعة إذ قبل الصليب بإيمان .

وفى اللحظة الحاسمة وسط الهدوء الشديد إذ بملاك الرب ينادى إبراهيم :

" إبراهيم إبراهيم " ..... لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا ، لأنى الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك إبنك وحيدك عنى " ( ع 11 ، 12 ) .

رأى إبراهيم كبشا موثقا بقرنيه فى الغابة ، وأصعده محرقة عوضا عن إبنه ، وكأنه رمز للسيد المسيح الذى علق على خشبة الصليب وسمر بذراعيه المفتوحتين لأجل خلاص العالم .

دعى إبراهيم الموضع " يهوه يرأه " أى ( الله يُرى )، هكذا ترأى الله لإبراهيم فى موضع الذبيحة .

( 4 ) تجديد الوعد الإلهى :

خلال الذبيحة تمتع إبراهيم برؤية الرب كما تمتع بتجديد الوعد بطريقة فاقت المرات السابقة ، الوعد هنا أبرز أبوته الروحية ، إذ يقول : إذ كان يليق به أن يكون أبا للذين هم من الإيمان ( غل 3 : 9 ) ويدخل الميراث خلال آلام المسيح وقيامته ....

الوعد الأول حيث كان ( الصوت الإلهى ) فى الأرض : " ثم أخرجه إلى خارج – خارج الخيمة – وقال له : أنظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها ، وقال له هكذا يكون نسلك " ( تك 15 : 1 ) .

أما فى تجديد العهد فيظهر الكتاب أن الصوت جاء من السماء ( 22 : 11 ) ، الآول جاء من الأرض والثانى من السماء ، ألا يبدو فى هذا وجود رمز لحديث الرسول :

" الإنسان الأول من الأرض ترابى ، والإنسان الثانى الرب من السماء " ( 1 كو 15 : 47 ) ؟

لعل انطلاق الغلامين إلى بئر سبع مع إبراهيم وإسحق فى نهاية المطاف يشير إلى عودة اليهود إلى الأيمان بالسيد المسيح الذى لم يستطيعوا قبلا معاينة سر ذبيحته .. فينطلقوا فى آخر العصور إلى مياة المعمودية ويقبلوا من قد جحدوه .

( 5 ) أولاد ناحور :

ذكر الكتاب أولاد ناحور أخ إبراهيم من زوجته ملكة ليكشف عن قرابة رفقة لزوجها إسحق ، والده إبن أخ إبراهيم ، أى هى إبنة عمه ...
+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:14 pm

البولس من 1 كو 10 : 1 – 13



في الأصحاح السابق عالج مشكلة الرسول مشكلة ما ذبح للأوثان على أساس تنازلات الحب، مقدمًا نفسه مثالاً حياً للتنازلات من أجل الإنجيل. وفي هذا الإصحاح يجيب الرسول بولس علي ثلاثة أسئلة خاصة بنفس الموضوع:

أولاً: ما هو موقف المؤمن من الولائم في هيكل وثني؟

ثانيًا: ما موقفه من اللحوم في السوق العام؟

ثالثًا: ما موقفه من الدعوة إلى وليمة في بيت صديقٍ وثنيٍ؟
موقفه من الولائم في هيكل أوثان



لم يجب الرسول بولس علي هذا السؤال الخاص بموقف المؤمن من الدعوة الموجهة إليه للاشتراك في وليمة مُقامة داخل هيكل وثن بالقبول أو الرفض، لكنه قدم مبادئ هامة خلالها يستطيع المؤمن أن يأخذ قراره من داخله وليس كأمرٍ يصدر إليه. هذه المبادئ هي:
أ. القداسة هي مسرة اللَّه



اللَّه في حبه للبشرية يبسط يديه ليهبهم عطايا بلا حصر، لكن مسرته أن يرانا علي صورته ومثاله مقدسين في الحق كما هو قدوس والحق ذاته. فالعطايا الإلهية ليست مقياسًا لرضاه عنا، إنما تقديسنا هو موضوع مسرته بنا.

"فإني لست أريد أيها الاخوة أن تجهلوا

أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة

وجميعهم اجتازوا في البحر" [1].

الآن يقدم لهم كنيسة العهد القديم كمثال كيف تمتعت بهباتٍ إلهيةٍ كثيرةٍ، لكن هذه العطايا لم تبررهم، فإن ما يسر اللَّه هو قداسة الكنيسة. وكأن غنى عطايا اللَّه لنا وكثرة المواهب التي يمنحنا إياها لا تبررنا إن أهملنا خلاصنا. هكذا يود الرسول أن يؤكد لهم أنه عوض المشاحنات خاصة إن كانت في أمر أكلٍ أو شربٍ يليق بهم أن يهتموا بالخلاص على مستوى الجماعة كما على مستوى الأشخاص بتنقية حياتهم بروح اللَّه الساكن فيهم.

يربط الرسول بين كنيستي العهد القديم والعهد الجديد، حاسبًا رجال الإيمان في العهد القديم آباء رجال العهد الجديد.

يكرر الرسول كلمة "جميعهم" خمس مرات في الآيات 1-4، ليؤكد عدم محاباة اللَّه، فهو يقدم عطاياه للجميع بسخاء، ومع هذا لم يُسر إلا بمن يتجاوب مع حبه بالقداسة. العطايا مقدمة للجميع لكن المكافأة لكم يتقدس للرب.

كان غالبية شعب كنيسة كورنثوس من الأمم إلا أن جميعهم لا يجهلوا معاملات اللَّه مع الشعب القديم، كيف اختارهم وخرج بهم من مصر، وقدم لهم سحابة تظللَّهم علامة رعايته الفائقة لهم كمن تحت جناحيه، واجتاز بهم البحر لكي يفصلهم عن فرعون وجنوده الوثنيين، ومع هذا كله لم يُسر اللَّه بأكثرهم لأنهم لم يتجاوبوا عمليًا مع الدعوة التي دعوا إليها. فكيف يمكن لرجال العهد الجديد أن يتجاسروا ويدخلوا بكامل حريتهم إلي هياكل الأوثان ليشتركوا في موائدها ويظنون أن اللَّه يُسر بهم.

بمعني آخر يقول لهم بأن اللَّه اخرج الشعب وعزلهم بالبحر عن الجو الوثني فهل تندفعون بإرادتكم إلي جو مفسد؟!

تمتع الشعب القديم بالخروج من مصر والتحرر من عبودية إبليس واضح من الكتاب المقدس أن هذه السحابة العجيبة التي قدمها اللَّه لشعبه في البرية حققت ثلاث وظائف:

+ كانت سحابة في شكل عمود يقودهم ويوجههم في البرية نهارَا.

+ كان عمودًا من النور يضيء المحلة بالليل.

+ كانت السحابة مظلة تقيهم من حرارة الشمس (مز 105: 39).

"وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر" [2].

ربما ظن أهل كورنثوس أنهم إذ نالوا المعمودية حتمًا يتمتعون بالمجد الأبدي، فهم أقوياء في الضمير، يدخلون هياكل الأوثان ويشتركون في موائدها دون أن يتنجسوا أو ينحرفوا عن الحياة المقدسة. لهذا قدم لهم الشعب القديم الذين نالوا العماد بسيرهم تحت السحابة وعبورهم البحر الأحمر، ومع هذا فبأكثرهم لم يُسر اللَّه. مع ضرورة العماد للخلاص، لكن من اعتمد ولم يسلك كابن للَّه، بل يتهاون في الحق، يهلك.

وكأن الرسول بولس قد رأى كنيسة العهد القديم في أيام موسى النبي قد اجتازت المعمودية رمزيًا. فالبحر يشير إلى جرن المياه، والسحابة التي ظللتهم تشير إلى الروح القدس، كقول الكتاب: "أرسلت روحك فغطاهم" (خر 10:15).

ظهرت رمزية عبور البحر الأحمر للمعمودية في العهد القديم نفسه، إذ رأى إشعياء النبي ذراع الرب (رمز للمسيح) يستيقظ من القبر محطمًا العدو إبليس أو التنين الساكن في أعماق المياه، فاتحًا طريق النصرة لكي يعبر أولاده وسط المياه ويخلصوا. يقول النبي: "استيقظي استيقظي البسي قوةً يا ذراع الرب. استيقظي كما في أيام القدم كما في الأدوار القديمة. أَلستِ أنتِ القاطعة رَهَب الطاعنة التنين؟ أَلستِ أَنتِ هي المُنَشِّفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين؟ ومفديُّو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم، وعلى رؤُوسهم فرح أبدي. ابتهاج وفرح يدركانهم. يهرب الحزن والتنهُّد" (إش 9:51-11). إنها ثلاث صرخات: "استيقظي، استيقظي، استيقظي" وكأنها إعلان عن قوة القيامة المعلنة في اليوم الثالث، التي تُوهب لمفديي الرب في المعمودية خلال الغطسات الثلاث باسم الثالوث القدوس. مرة أخرى يطلب من السيد الذي عمل في القديم خلال رمز العبور أن يعمل الآن ليعبر بمفدييه وسط المياه ويدخل بهم إلى "الفرح الأبدي" الذي هو ملكوت الله الذي يهرب منه الحزن والتنهد. رأى النبي هلاك التنين وطعنه هذا الذي هو قاتل للبشر!! هكذا رأى إشعياء النبي في العبور مفاهيم لاهوتية حية لعمل المعمودية في حياة المؤمنين، ونصرتهم خلال الرب الذي قام وأقامهم معه، وتحطيم إبليس التنين القديم.

"وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا" [3].

+ إذ يدعو الرسول الإلهي الرب طعامًا روحيًا وشرابًا روحيًا يقترح أنه يعرف أن الطبيعة البشرية ليست بسيطة, وإنما يوجد جزء عقلي ممتزج بالجزء الحسيّ, وأن نوعًا معينًا من القوت يحتاج إليه كل من الجزئين فينا: الطعام الحسيّ يقوي أجسادنا, والطعام الروحي لنمو نفوسنا.
غريغوريوس أسقف نيصص





+ المسيح هو هذا السرّ, لأن الجسد هو للمسيح. هكذا فإن الطعام ليس ماديُا بل هو روحي.

القديس أمبروسيوس

"وجميعهم شربوا شرابًا واحدُا روحيًا

لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم،

والصخرة كانت المسيح" [4].

يبدو أن البعض كانوا يعتمدون علي تناولهم من جسد الرب في سرّ الافخارستيا كتأكيد لخلاصهم مع تهاونهم في سلوكهم مثل الشركة في ولائم هياكل الأوثان. لذا قدم لهم الشعب القديم هؤلاء الذين أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا، الذي هو المن، رمز جسد المسيح (يو 6: 31) الخبز النازل من السماء الذي يعطي حياة للعالم [33]، وهو خبز الحياة [48]، ومع هذا إذ لم يتقدسوا للرب هلكوا.

هل كانت الصخرة بالفعل تتبعهم؟ أم أن الحديث هنا رمزي؟ كان قدامى اليهود يعتقدون بان ينبوع المياه كان يسير معهم طوال رحلتهم، يصعد معهم علي الجبال وينزل معهم في الوديان. وهم يعتمدون في هذا علي النشيد: "اصعدي أيتها البئر أجيبوا لها بئر حفرها رؤساء، حفرها شرفاء الشعب بصولجان بعصيهم، ومن البرية إلي متاني الخ" (عد 21: 17 -20)

دُعي شرابًا روحيًا مع أنه ماء عادي يروي الأجساد لكنه قدم بطريقة فائقة للطبيعة:

فاض الينبوع مياها تروي حوالي 2 مليون شخصًا. قيل عن المياه التي فاضت إنها جدول مياه، ومجري مياه، وسيل، ونهر (عد 34: 5، يش 15: 4، 47، 1 مل 8:65، 2 مل 24:7) ينزل من الجبل هذا يدل علي أن جدول المياه كان متسعًا جدًا.

جبل حوريب مرتفع عن البلد الملاصقة له، وكأن المياه كانت تندفع منحدرة علي الجبل، لا تتجمع في حوض مياه، بل تتدفق نحو البحر في غير سكون. كأن المياه قد أوجدت نهرًا جاريًا يسير معهم في رحلتهم. إن قيل انه لا يوجد الآن ينبوع مياه يقيم نهرًا في تلك المنطقة، فالإجابة علي ذلك أن هذه العطية كانت هبة مقدمة للشعب علامة اهتمام اللَّه به، كما كان يقدم لهم منًا من السماء يكفي مليونين شخصًا ليأكلوا ويشربوا كل هذه السنوات.

+ لماذا يقول بولس هذه الأمور؟ إنه يشير إلينا بأنه كما أن الإسرائيليين لم ينتفعوا شيئًا من العطية العظمى التي تمتعوا بها, هكذا المسيحيون الكورنثوسيون لا ينتفعون شيئا من العماد أو التناول المقدس ما لم يسلكوا معلنين حياة لائقة بهذه النعمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

+ الصخرة هي كل تلميذ للمسيح الذي منه يشربون كما من صخرة روحية تابعتهم، وعلى كل صخرة كهذه تُبنى كل كلمة للكنيسة، وسياستها تكون متفقة معها. فإن اللَّه يبني كنيسته في كل شخص كامل يربط بانسجام بين الكلمات والأعمال والأفكار وممتلئ بالتطويبات.

العلامة أوريجينوس

"لكن بأكثرهم لم يسر اللَّه

لأنهم طرحوا في القفر" [5].

علّة هلاك الشعب القديم هو اللَّهو [7]، والزنا [8]، وتجريبهم الرب [9]، والتذمر [10]. لذا وصية الرسول هي: "اهربوا ..." [14].

بعد أن تمتع كل الشعب بالسحابة، وعبروا البحر، وأكلوا المن، وشربوا الماء، وتبعتهم الصخرة لم يسر اللَّه بأكثرهم، لأنهم احزنوا روح اللَّه القدوس، وأساءوا إلي النعمة الإلهية. إنهم بدءوا بالروح وكملوا بالجسد.

v لم يكن الإسرائيليون في أرض الموعد حين صنع اللَّه معهم هذه الأمور. لهذا افتقدهم بتأديب مضاعف, إذ لم يسمح لهم أن يروا الأرض التي دعاهم إليها, وعاقبهم أيضًا بقسوة.

+ هكذا يرفع الرسول من يسمعه بالأكثر عندما يحاور لا كمن يأمر، ولا كمن يستهين بالناموس، بل كمن ينصحهم ويتوسل أمامهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم


+ يود بولس أن يذكرنا بأننا لا نخلص بمجرد استقبالنا لنعمة اللَّه المجانية. إنما يلزمنا البرهنة على أننا نريد قبول هذه النعمة المجانية. فأبناء إسرائيل استلموها, لكنهم برهنوا على عدم استحقاقهم لها فلم يخلصوا.
العلامة أوريجينوس




ب . تحذير من التجارب الشريرة

"وهذه الأمور حدثت مثالاً لنا

حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهي أولئك" [6].

كان الكورنثوسيون يشبهون إسرائيل القديم إذ نالوا عطايا إلهية كثيرة، وقابلوا ذلك بالتذمر والشر عوض الشكر والقداسة، فصاروا تحت خطر الهلاك الذي حل بإسرائيل في البرية.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:14 pm

+ كما أن المواهب رمزية هكذا التأديبات رمزية. لقد سبق فرُمز للمعمودية والتناول في النبوة. وبنفس الطريقة أُعلن تأكيد عقوبة غير المستحقين لهذه العطية مسبقًا من أجلنا, حتى نتعلم من هذه الأمثلة كيف يلزمنا أن نلاحظ خطواتنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم


"فلا تكونوا عبدة أوثان كما كان أناس منهم،

كما هو مكتوب:

جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب" [7].

اعتبر القديس بولس مشاركتهم في الولائم الوثنية بالهيكل ممارسة فعلية لعبادة الأوثان.

"قاموا للعب": كان اليهود بوجه عام يفهمون اللعب هنا بمعني ممارسات دنسة تصحب العبادة الوثنية، كالرقص الخليع تكريمًا للآلهة.

+ هل ترى كيف يدعو بولس الإسرائيليين عبدة أوثان؟ يقول هذا أولاً, وبعد ذلك يعطى أمثلة لمساندة صراعاته ضد هذه الأخطاء. أنه يعطينا أيضًا السبب لعبادتهم الأوثان, أي النهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم


"ولا نزنِ كما زنى أناس منهم

فسقط في يوم واحد ثلاثة وعشرون ألفًا" [8].

في سفر العدد (25: 9) عدد الذين هلكوا 24 ألفا، فلماذا يذكر هنا 23 ألفا؟ لأن اللَّه طلب من موسى تعليق الرؤساء مقابل الشمس هؤلاء يبلغ عددهم حوالي الألف شخصًا بجانب أل 23 ألفا الذين هلكوا بالوباء.

"ولا نجرب المسيح كما جرب أيضًا أناس منهم

فأهلكتهم الحيات" [9].

يشير هنا إلي "المسيح" في العهد الجديد، هذا الذي كان يدعي "يهوه" في العهد القديم، فقد جربه اليهود بجحدهم لعنايته الإلهية وتذمرهم عليه.



"ولا تتذمروا كما تذمر أيضًا أناس منهم

أهلكهم المهلك" [10].

تذمر عليه اليهود بسبب المن، وظنوا أن الوعود الإلهية التى قُدمت لهم في مصر لم تتحقق، فأهلكتهم الحيات، وأصابهم الوباء. كما تذمر إسرائيل علي اللَّه وعلي نبيه موسى، هكذا شعب كورنثوس تذمروا علي اللَّه ورسوله بولس.

وتذمر الإسرائيليون عند موت قورح وجماعته (عد 16: 41، 49)، وحُسبت شكواهم ضد موسى وهرون أنها ضد اللَّه نفسه (خر 16:8). اقتبس الرسول بولس ذلك حاسبا أهل كورنثوس متذمرين علي المسيح لأنهم تذمروا علي رسوله.

+ المطلوب ليس فقط أن نتألم من أجل المسيح, بل أن نحتمل ما نتألم به بهدوء وكل بهجة, فإن هذه هي طبيعة إكليل المصارع. فإن لم نفعل ذلك تحل العقوبة علينا، إذ نقبل الكارثة بطريقة رديئة. هذا هو السبب لماذا كان الرسل يفرحون عندما كانوا يضربون وكان بولس يتمجد في آلامه.

+ يحثنا على التخلص من هذه الخطية بكل سرعة.
القديس يوحنا الذهبي الفم


+ يليق بالمسيحي ألا يتذمر قط سواء في العوز للضروريات أو في التعب والألم، فإنه يوجد مع الالتزام بهذه الأمور سلطان له يتمتع به.
القديس باسيليوس


"فهذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً

وكتبت لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور" [11].

+ دعاها "مثالاً" وقال أنها "كتبت من أجلنا" ثم أشار إلى النهاية ليذكرنا بنهاية كل الأمور. لأنه سوف لا تكون العقوبة هكذا إلى فترة محددة ثم تنتهي بل ستكون عقوبة أبدية. وكما أن العقوبة في هذا العالم تنتهي بنهاية العالم الحاضر، ففي العالم العتيد ستستمر على الدوام.

+ مرة أخرى ينزع عنهم كبرياءهم هؤلاء الذين ظنوا أنهم على درجة عالية من المعرفة. فإن كان الذين نالوا ميزات عظيمة كهذه وآخرون هربوا ولم تستطع الجماهير أن تغير حكم اللَّه من نحوهم فكم يكون الأمر بالنسبة لنا ما لم نصر حكماء.
القديس يوحنا الذهبي الفم


"إذا من يظن انه قائم فلينظر أن لا يسقط" [12].

المؤمن الحق مع يقينه في عمل اللَّه في حياته يبقي حذرًا حتى لا يفقد إيمانه ولا يسقط عن الحياة المقدسة في الرب التي يتمتع بها بالنعمة الإلهية. من لا يثبت في اتحاده مع اللَّه ومثابرته علي العبادة بالروح والحق والسلوك بالحب يسقط في الظلمة وقساوة القلب.

يحذر الرسول هنا كل من يتكل علي ذاته ظانًا أنه محب للَّه وتمتع بعطايا إلهية ومواهب سماوية فيحسب نفسه أنه لن يسقط.

مادمنا في الجسد يلزم مع تمتعنا بالرجاء في نعمة اللَّه الغنية أن نسلك بحذر، فلا يوجد من هو معصوم من الخطأ , فإن عدو الخير تارة يحطمنا باليأس من خطايانا وأخري بالأمان الباطل والثقة الكاذبة في الذات، فننسي ضعفنا ولا نلح في الالتجاء إلي الحضن الإلهي كي يحمينا ويثبتنا فيه.

رجاؤنا في الخلاص يملأ قلوبنا فرحًا، وتواضعنا أمام الرب يثبتنا في هذا الرجاء ويضاعف فرحنا الخارجي.

v ثباتنا هنا ليس ثباتًا آمنًا، لا حتى نخلص من تيارات هذه الحياة الحاضرة ونبحر إلى الميناء الهادئ. لا تنتفخوا إذن أنكم ثابتون، بل احرصوا لئلا تسقطوا، فإن كان بولس يخشى ذلك وهو أكثر ثباتًا منا جميعًا كم بالأكثر يليق بنا نحن أن نحذر؟!

"لم تصبكم تجربة إلا بشرية

ولكن اللَّه أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون،

بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" [13].

ما حلِّ بالكنيسة في كورنثوس من خصومات وتشويش هو بسبب عدم انشغالهم بالحياة الجديدة المقدسة في الرب، إذ يقول: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن اللَّه أمين الذي لا يدعكم تجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" [13].

+ التجارب التي تحدث بواسطة الشيطان تتم لا بقوته، بل بسماح من اللَّه إذ يسمح بها إما لتأديبنا (عقابنا) أو لمحبته لنا يمتحنا ويدربنا. فهناك أنواع مختلفة من التجارب. فالتجربة التي سقط فيها يهوذا ببيعه سيده تختلف عن تجربة بطرس الذي أنكره بسبب الخوف.

وإنني أعتقد أن هناك تجارب عامة يخضع لها البشر بسبب ضعفهم البشري، مهما كانت سيرتهم حسنة. مثال ذلك أن يغضب إنسان على آخر أثناء إرشاده طريق الحق، فيخرج بذلك عن الهدوء الذي تتطلبه المسيحية. لذلك يقول بولس الرسول: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية" بينما يقول في نفس الوقت "ولكن اللَّه أمين الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 13:10). مظهرًا بوضوح أننا لا نصلي لكي لا نجرب بل لكي لا ننقاد إلى تجربة، لأنه إذا سقطنا في تجربة لا نحتملها نكون قد انقدنا إلى تجربة، فإذا ثارت علينا تجارب خطيرة، بحيث يكون انقيادنا إليها مهلكًا لنا - سواء أكان ذلك لظروف في صالحنا أو ضدنا - فإن من لا ينقاد إليها مأسورًا ببهجة الانتصار يكون قد استغنى عن متاعب العدو.
القديس أغسطينوس


+ العبارة "لا تدخلنا في تجربةٍ" لا تعني "لا تسمح لنا بتجربة"، لأن أيوب جُرِّب لكنه لم يدخل في تجربة، إذ لم يصف اللَّه بأيّ تجديف، ولا استسلم بفمٍ شريرٍ كرغبة المجرب نفسه.

إبراهيم جُرِّب ويوسف جُرِّب، لكن لم يدخل أحدهما في تجربة، لأنهما لم يستسلما مرضيين للمجرب.

جاء بعد ذلك "لكن نَجِنّا من الشّرِّير"، أي لا تسمح لنا أن يجربنا الشيطان فوق ما نحتمل بل تجعل مع التجربة المنفذ لنستطيع أن نحتمل (1كو13:10) ).

+ (كل إنسان يُهاجَمْ قدر طاقته)

لسنا نجهل أن الأرواح جميعها ليست في نفس الشراسة والنشاط، ولا في نفس الشجاعة والخبث، فالمبتدئون والضعفاء من البشر تهاجمهم الأرواح الضعيفة، فإذا ما انهزمت تلك الأرواح تأتي من هي أقوى منها لتهاجم جنود المسيح. ويصعُب علي الإنسان بقوته أن يقاوم، لأنه لا توازي طاقة أحد القديسين خُبث هؤلاء الأعداء (الروحيين) الأقوياء الكثيرين، أو يصد أحد هجماتهم، أو يحتمل قسوتهم ووحشيتهم، ما لم يرحمه المصارع معنا، ورئيس الصراع نفسه الرب يسوع، فيرد قوة المحاربين، ويصد الهجوم المتزايد، ويجعل مع التجربة المنفذ قدرما نستطيع أن نحتمل (1كو13:10).
الأب سيرينوس


+ + +

الإنجيل من يوحنا 3 : 1 – 13

نيقوديموس والميلاد الجديد
المعلم واهب الميلاد الجديد!


ليس من أصحاح في العهد الجديد يبدو في صعوبة هذا الأصحاح، ومع هذا فقد جذب كثيرين من غير المؤمنين إلى الإيمان المسيحي. فعنده تقف نفس غير المؤمن الجادة في طلب خلاصها لتجد نفسها محتاجة مع نيقوديموس أن تدخل في حوار سري مع السيد المسيح، وإذ تتعرف على الإمكانيات الجديدة الموهوبة لها. تنحني أمامه تطلب الاتحاد معه لتتمتع بروحه القدوس بالميلاد الثاني الجديد خلال العماد.


في نفس خط تأكيد الحياة المسيحانية الجديدة: خمر جديدة وهيكل جديد، كان لابد من الكشف عن الولادة الجديدة.

يبقي هذا اللقاء الفريد بين شخصية فريسية ممتازة وبين شخص السيد المسيح ينبوع روحي حي يفيض على كل نفس جادة في خلاصها. فقد كان نيقوديموس كفريسي، رجل عالم في دراسة التوراة والتقليد اليهودي، ورجل أخلاقي يؤمن كغيره من والفريسيين أنه في قدرة الإنسان إن أراد أن يفعل برّ الناموس، يعتمد على جهاده الذاتي وإرادته البشرية، يتمسك بحرفية الناموس، وبحسب نفسه حافظا لها. يري في المسيح معلما يهوديًا مهتمًا بالناموس، ولعله كان أحد الكثيرين الذين ذكرهم الإنجيلي: "ولما كان في أورشليم في عيد الفصح آمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع" (يو 2: 24)، آمن أنه أتى من الله (يو 3: 2). ولعله كان يرجو في يسوع أن يكون مصلحًا أخلاقيًا، يقوم على أساس حفظ الناموس حرفيًا، وأن يصلح من شأن الأمة اليهودية.

لم تكن عقلية نيقوديموس وخبرته تؤهلانه لقبول الحياة الجديدة في المسيح يسوع، خلال الميلاد الجديد، والتمتع بناموس روحي جديد. كان محتاجًا أن يرفع السيد المسيح فكره وقلبه وكل أحاسيسه وطاقاته نحو السماء ليدرك حاجته إلى الميلاد الجديد خلال ذاك "الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء"، فهو وحده يصعد إلى السماء ليحمل مؤمنيه معه كأبناء لله يتمتعون بالبنوة للآب فيه.

لقاء نيقوديموس مع السيد المسيح ليلاً يسحب القلب نحو شخص السيد المسيح للتعرف على اهتمام السيد المسيح بكل نفسٍ بشريةٍ، ولطفه مع صراحته في الحديث معها.

رأينا الكلمة الحال في وسطنا ليقيمنا أبناء لله، (ص1)، الآن يعلن كيفية الميلاد الجديد في حديثه مع نيقوديموس رئيس اليهود. اشتاق نيقوديموس أن يرى الملكوت، فأكد له السيد الحاجة إلى المعمودية بالماء والروح. ليعيش المؤمن دومًا كابن لله يسلك بالروح. في هذا الإصحاح يرفعنا من الأرضيات إلى الانشغال بالسماويات خلال اتحادنا بالسماوي إلى نزل إلينا وصعد ليصعدنا معه، إذ هو قائم في السماء (13).

يربط العماد بالصليب حيث يعلن الآب حبه لكل البشرية ببذل ابنه لكي يتمتع العالم بالحياة الأبدية (16).

وإذ يشير إلى الميلاد الجديد يسحبنا من الخوف من الدينونة إلى التمتع بالنور الإلهي (21).

إذ رأى يوحنا المعمدان ما حدث في عماد السيد المسيح وما حمله هذا من تمتع المؤمنين به بالبنوة، كمل فرحهُ. لقد سمع صوت العريس يخطب عروسه لتحيا معه في الأمجاد السماوية (29).

حوار حول الميلاد الجديد

"كان إنسان من الفريسيين اسمه نيقوديموس رئيس لليهود". (1)

نيقوديموس: اسم يوناني معناه "المنتصر على الشعب". كان رئيسًا لليهود، أي عضوًا في مجمع السنهدرين، المجلس الأعلى للأمة اليهودية.الدعوة الإلهية موجهة إلى كل البشرية بكل فئاتها، لكن قليلين من أصحاب المراكز الدينية والزمنية ومن لهم مراكز قيادة أن يستجيبوا للدعوة. وجد قلة قليلة جدًا من بين الفريسيين، أقل من إصبع اليد الواحدة، ممن تجاوبوا مع هذه

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:15 pm

الدعوة، من بينهم نيقوديموس. جاء إلى السيد المسيح ربنا وحده أو معه أحد تلاميذه أو أكثر. لم يستخف السيد بالنفس الواحدة، فإنه احتمل موت الصليب من أجل كل نفس.

حقًا لقد حمل الفريسيون روحًا مضادة ومقاومة للحق الإلهي، لكن وُجد بين هؤلاء المتعلمين الدارسين من يشتهي اللقاء مع السيد، وقد وجدوا بابه مفتوحًا. نعمة الله تعمل في الأميين كما في الدارسين، وفي العامة كما في القيادات، وفي البسطاء كما بين المقاومين. لقد جاء نيقوديموس إلى السيد، وبقي في مركزه بين المقاومين، ووضع قلبه أن يعمل حينما تُتاح له الفرصة قدر المستطاع. وقد حان الوقت حين لم يستطع التلاميذ أن يعملوا ليعمل هو، فأخذ تصريحًا من بيلاطس كي يدفن جسد السيد المسيح في قبره الخاص الجديد.

"هذا جاء إلى يسوع ليلاً، وقال له:

يا معلم نعلم أنك قد أتيت من اللَّه معلمًا،

لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل،

إن لم يكن اللَّه معه". (2)

كلما أشار الإنجيلي يوحنا إلي شخص نيقوديموس يربطه بزيارته للسيد المسيح ليلاً، وقد كرر ذلك ثلاث مرات في هذا السفر (3: 2؛ 7:50؛19: 39). لماذا جاء إلى يسوع ليلاً؟

‌أ. شعر أنه لا يكفيه أن يسمع أحاديثه العامة، ولا أن يتمتع برؤية معجزاته العلنية، بل هو محتاج إلى جلسة هادئة مع السيد المسيح فيما يخص خلاص نفسه. محتاج إلى حوار شخصي معه (ملا ٢: ٧). إن كان الابن الوحيد الجنس كثيرًا ما كان ينسحب من الجماهير بل ومن التلاميذ الأخصاء ليقضي الليل كله في حديث ممتع مع الآب، ألا يحتاج كل إنسانٍ منا أن يترك كل شيء ويجلس، خاصة بالليل، مع مسيحه ليدخل معه في حوارٍ شخصي، ويتمتع بالحياة الجديدة والشركة معه؟

‌ب. لعله من باب الحكمة اختار المساء، لأن السيد المسيح كان مشغولاً طوال النهار بالخدمة العامة، فانتظر نيقوديموس حتى المساء ليلتقي مع السيد في وقت راحته، في حديث ودي.

‌ج. لعله إذ دهش برؤية بعض المعجزات انتهز أول فرصة للقاء الشخصي معه. بينما الكل نيام أراد أن يقضي سهرة روحية مع السيد المسيح، ولعله خشي ألا يجد مثل هذه الفرصة في المستقبل. كان نهازًا للفرص! إنه تمثل بداود النبي الذي كثيرًا ما كان ينتهز فرصة الليل للتأمل (مز ٣٦: ٦؛ ١١٩: ١٤٨).

‌د. لعل أيضًا الدافع لمجيئه ليلاً أنه خشي أن يبلغ الخبر إلى رؤساء الكهنة فيثوروا بالأكثر ضد السيد المسيح، أو يسيئون هم والرؤساء والفريسيون إلى نيقوديموس نفسه. ربما كان ينقصه نور الإيمان، لقد انجذب إلى شخص يسوع، لكنه لم يكن بعد قد عرفه عن قرب، ولا تعرّف على حقيقته أنه نور العالم. لقد كان قائدًا يهوديًا (1)، ومعلم إسرائيل (10)، يحتاج إلى الميلاد الجديد ليتمتع بمفاهيم جديدة للمملكة السماوية المسيحانية. في ضعف إيمانه جاء ليلاً، وقد وجد باب قلب سيده مفتوحًا، ولم يجرح مشاعره بكلمة عتاب واحدة. على أي الأحوال كان إيمانه أشبه بحبة الخردل الحية التي نمت وظهرت كشجرة عظيمة عندما مات السيد المسيح، فتقدم بشجاعة ليطلب جسد السيد.



"يا معلم": لم يكن من السهل لفريسي يُحسب عالمًا في الكتاب المقدس وقائدًا للشعب أن يخضع لشخصٍ ما قائلاً بروح التواضع: "يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله معلمًا" (٢). لم يتحدث مع السيد في أمورٍ سياسيةٍ، ولا في شئون الدولة، مع أنه كان رئيسًا لليهود، لكن ما كان يشغله هو خلاص نفسه.

اعترف نيقوديموس بأن السيد لم يتعلم على يدي أي معلمٍ يهوديٍ، ولا التحق بمدرسة دينية، لكن تعليمه هو بسلطان إلهي سماوي. أدرك أن السيد يحمل سلطان الحق لا السيف، يعمل بحكمة علوية لا بشرية. يعترف نيقوديموس أن الآيات التي صنعها يسوع لا يمكن أن تكون مزيفة. لقد فحصها مع زملائه وأدركوا أنها من الله، تتحقق بقوة إلهية.

والعجيب أنه يتكلم بصيغة الجمع "نعلم"، ربما لأنه جاء ومعه واحد أو أكثر من تلاميذه، أو تحدث على لسان بعض الفريسيين الذين لم يكن يشغلهم شيء أو شخصٍ ما سوى "يسوع"، وقد اعترفوا فيما بينهم بما يعلنه نيقوديموس هنا، لكن أحدًا ما لم يجسر أن يتكلم علانية، ولا أن يلتقي مع يسوع خفية.

"أجاب يسوع وقال له:

الحق الحق أقول لك

إن كان أحد لا يُولد من فوق (جديد)

لا يقدر أن يرى ملكوت اللَّه". (3)

اعتبر نيقوديموس صنع الآيات دليلاً على أن يسوع هو من عند الله. فقد كان الربيون يربطون بين التقوى وعمل الآيات. ولم يكن نيقوديموس قادرًا أن يتعدى هذه الحدود ليدرك حقيقة شخص يسوع المسيح، فرآه معلمًا تقيًا، رجل الله، يتمتع بمعية الله، كما تمتع يعقوب حيث قال له الرب: "لا تخف لأني معك" (تك 26: 24). ويشوع بن نون: "كما كنت مع موسى أكون معك" (يش 1: 5) وكثير من الآباء والأنبياء لم يستطع نيقوديموس بفكره الفريسي مع تقواه أن يتعدى هذه الحدود. هذا هو ما تعلمه، وهذا هو ما كان يعيشه في الجو اليهودي.

جاء حديث السيد المسيح معه يبرز النقاط التالية:

‌أ. الحاجة الماسة إلى ميلادٍ جديدٍ لمعاينة عالمٍ جديدٍ في داخله "مـلكوت الله" (٣). لذلك دعيت ولادة جديدة أو ولادة ثانية، كما جاءت في الترجمات القبطية والسريانية واللاتينية، وكما استخدمها كثير من آباء الكنيسة الأولى، مثل القديسين يوستين واكليمنضس السكندري، وترتليان، والقديسين أغسطينوس وجيروم. وقد فهم نيقوديموس كلمات السيد المسيح أنها تدعوا إلى "ميلاد جديد"، لهذا وقف في حيرةٍ وعجز: كيف يمكن لشيخ أن يدخل بطن أمه ليولد من جديد؟

‌ب. أن تكون الولادة من فوق، أي سماوية (٣). إذ هو عمل خاص بروح الله القدوس السماوي، يهب إمكانيات سماوية إلهية تتجاوز الفكر البشري.

‌ج. تتحقق بالعماد من الماء والروح (٥).

‌د. ولادة تحمل قوة فائقة كالريح ولا يُعرف سرها (٨).

كان تكرار كلمة "الحق" في الكتابات اليهودية يُحسب معادلاً لقسم له قدسيته العظمى. استخدمه السيد المسيح عندما كان يشير إلى أمرٍ له خطورته الكبرى.

في لطف ينتهره السيد المسيح معلنًا له أنه لا يكفي للشخص أن يؤمن بأن يسوع هو معلم إلهي، ولا أن يُعجب من آياته بكونها آيات صادقة وفريدة، لكن الحاجة هي إلى ولادة "من فوق"، أي سماوية، لكي يعاين ما هو سماوي. فالجنين في بطن أمه لا يقدر أن يرى العالم، ولا يحمل أية خبرات فيه، ما لم يولد من رحم أمه. هكذا لا يستطيع الإنسان أن يعاين ملكوت الله، ولا أن يحمل خبرات السماء، ما لم يولد ثانية من فوق ليرى نور العالم الجديد ويعيش فيه.

بقوله "يرى" يؤكد السيد المسيح أنه يليق بالمؤمن الحقيقي الذي يتمتع بالميلاد الجديد السماوي ألا يعتز بهذا الميلاد دون أن يرى ملكوت الله داخله ويعيشه، أي يصير له الفكر السماوي والروح العلوية والمبادئ اللائقة بناموس السماء، وأهداف جديدة ورجاء جديد وإمكانيات جديدة.

بالميلاد الجديد يبدأ المؤمن حياة جديدة تمامًا، لا تقوم على تصليح كيان الإنسان، بل هدم القديم وبناء الجديد، إماتة الإنسان العتيق وقيامة الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه.

بميلادنا الأول أفسدتنا الخطية وشكَّلت أعماقنا حسب هواها، فصرنا جسدانيين، يسيطر علينا ناموس شهوات الجسد، وتسحبنا محبة العالم، ويتحكم فينا عدو الخير، فأصبح الميلاد الجديد ضرورة لا مفر منها. لهذا يقول السيد: "الحق الحق أقول لكم".

ما هو ملكوت الله الذي يليق بنا أن نراه على الدوام سوى ملكوت المسيا السماوي، الساكن فينا، يقيم مملكته في داخلنا. نراه ونحيا به ونشاركه سماته، فنصير قديسين كما هو قدوس. هذا هو ملكوت الله الحاضر في حياتنا في متناول يدنا، كما أعلن السيد المسيح نفسه: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (مت 4: 17). كما قال: قد أقبل عليكم ملكوت الله" (مت 12: 28)، وأكد لنا: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21). أما عن وضعنا في هذا الملكوت فهو أنه "جعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6، 9؛ 5: 10). يصبغ علينا هذا الملكوت شركة سمات ربنا يسوع، إذ أن ملكوت الله "ليس أكلاً وشربًا، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس" (رو 14: 17).


هذا الملكوت هو عربون الملكوت الأبدي، ينقلنا إلى السماء لنشتاق للدخول في شركة المجد العجيب يوم مجيء الرب. إنه يرفع فكرنا، ويصوب أنظارنا الداخلية نحو مجيء الرب الأخير والتمتع بالأكاليل السماوي.

"قال له نيقوديموس:

كيف يمكن الإنسان أن يُولد وهو شيخ؟

ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟" (4)

جاء تساؤل نيقوديموس يكشف عن ضعف معرفته. بينما يتكلم السيد المسيح روحيًا كان قلب نيقوديموس مرتبطًا بالماديات. لم يكن ممكنًا أن يدرك الميلاد من فوق ما لم تُحل رباطات المادة من قلبه وفكره، فيقدر بروح الله أن يدرك الإمكانيات الروحية الجديدة.

صُدم نيقوديموس بحديث السيد المسيح عن الميلاد الجديد، فقد كان نيقوديموس كغيره من الإسرائيليين يعتزون بمولدهم من أبيهم إبراهيم، ونسبهم لشعب الله، وتمتعهم بالأنبياء، والوعود الإلهية، والعهد الإلهي، والهيكل الفريد بكل طقوسه. إنه ليس فقط إسرائيليًا بل وكان فريسيًا، فأي ميلاد أفضل يريده له يسوع؟ كان اليهود ينتظرون في مجيء المسيا أن يُقبل الأمم على الإيمان ويولدون من جديد، أما بالنسبة لهم فليس من مولد أشرف مما هم عليه. إنهم يعتزون بنسبهم وميلادهم ويصعب بل يستحيل أن يسمعوا عن مولد آخر.

مع هذا كله فإن نيقوديموس لم يعطِ ظهره ليسوع بل تساءل لعله يدرك أمرًا جديدًا كان ينقصه معرفته. كشف نيقوديموس، المعلم والرئيس، عن تواضعه واستعداده للتمتع بأية معرفة صادقة أو إعلان سماوي ينقصه، حتى وإن كان الأمر يبدو حسب معرفته مستحيلاً. إنسان عجيب، فمع خبرته الطويلة الممتدة عشرات السنوات، ومع مركزه كقائدٍ له تقديره، ومع الجو الفريسي الذي يعيشه انحنى ليتعلم شيئًا جديدًا. إنه مثل رائع لكل قائد حقيقي ألا يتشامخ بما تعلمه، بل يبقى تحت التعليم حتى آخر نسمة من حياته. وكما يقول الأسقف القديس أمبروسيوس أنه لا يوجد كائن لا يحتاج إلي التعلم سوي الله.

"أجاب يسوع:

الحق الحق اقول لك،

إن كان أحد لا يولد من الماء والروح،

لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه". (5)

عاد السيد وكرر ما سبق أن أكده، ليعلن أن هذا الحق لا يمكن التهاون فيه. فإن كلمة الله ليست نعم ولا، بل هي نعم وآمين. فمع عدم إدراك نيقوديموس للميلاد الجديد يصر السيد المسيح على ضرورته. ليس من طريق آخر لمعاينة ملكوت الله والدخول فيه سوى الولادة الثانية.

لماذا يستخدم الماء؟ إشارة إلى عمل الغسل الداخلي للنفس (تي ٣: ٥؛ ١ كو ٦: ١١؛ حز ٣٦: ٥٢). هذا الغسل يتحقق بالروح القدس القادر وحده أن يغسل أعماق النفس ويطهرها ويجددها. كما حول السيد المسيح الماء إلى خمرٍ يفرح أهل العرس والحاضرين فيه، هكذا يقدم لنا الماء لا لتطهير الجسد خارجيًا، بل تطهير الأعماق بالروح. هذا هو الماء الذي وعد به السيد في حديثه مع السامرية، أن من يشرب منه لا يعطش. إنه ليس كماء بئر يعقوب التي شرب منها هو وبنوه والماشية إنما هي مياه حية.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:16 pm

والماء ضروري في الميلاد الجديد، إذ يتم العماد بالتغطيس كقبول للموت والدفن مع المسيح للتمتع بالحياة المقامة الجديدة. وكما يقول الرسول بولس: "أم تجهلون إننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؛ فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الأب، هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة" (رو 6: 4) فالميلاد من الماء والروح هو موت عن حياة جسدية، ودفن لإعمال الإنسان القديم، وقبول شركة مع المسيح في حياته المقامة، أو قبول حياة جديدة مخلوقه بالروح القدس، الذي هو روح القيامة. إنها عملية خلق داخلي جديد، فنموت عن الفساد لنحمل طبيعة جديدة على صورة الخالق.

"المولود من الجسد جسد هو،

والمولود من الروح هو روح". (6)

هذا هو سرّ المعمودية، بها نلنا التبني (رو 15:8)، فصرنا أبناء الملكوت، ولنا حق الميراث. خلالها يتم نزعنا من الزيتونة البرية وتطعيمنا في الزيتونة الجديدة (رو 24:11) بفعل الروح القدس. بها نحمل "الحلة الأولى" (لو 22:15)، و"حلة العرس" (مت 11:22-23) التي بدونها لا يستطيع أحد أن يتمتع بالملكوت. هكذا تحققت نبوة حزقيال: "أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم، وانزع قلب الحجر من لحمكم، وأعطيكم قلب لحم، وأجعل روحي في داخلكم" (حز 26:36).

إذ أعلن نيقوديموس عن رغبته في إدراك ما يبدو له مستحيلاً، كشف له السيد مفهوم الميلاد الجديد. إنه ليس ميلادًا جسديًا يتحقق بالدخول من جديد في رحم الأم، وإنما هو ميلاد روحي يتحقق بعمل روح الله القدوس القدير، خلاله يتم التقديس بالروح (١ بط ١: ٢) والغسل الداخلي للنفس بالروح (تي ٣: ٥).

إننا جسد، ليس فقط من جهة العنصر الجسداني، وإنما لأن الفساد حلّ به (تك ٦: ٣)، وإذ تلتحم النفس بالجسد صارت النفس أسيرة الإرادة الجسدية الشهوانية، تجد مسرتها في الشهوات، حتى صار الإنسان ككل كأنه جسداني. فأي اتحاد بين الجسداني والله الذي هو روح. هذا ما استلزم الميلاد الجديد لكي يحمل الإنسان ككل سمة الروح، فيجد الجسد لذته ومسرته في الروح لا في شهوات الجسد.

هذا هو العلاج العملي للإنسان الذي أفسدته شهوات الجسد. هذا العلاج يقدمه ابن الله الوحيد بكونه واهب الشريعة العظيم ووسيط العهد الجديد وطبيب النفوس، هو وحده يعرف العلاج الحقيقي.

إنه الكرام الإلهي الذي يعلم أن كل شجرة تقدم ثمارًا حسب بذرتها، فمن يُولد روحيًا يحمل فيه ملكوتًا روحيًا مقدسًا لائقًا بالله.

+ يستخدم الماء ليتحقق الميلاد للمولود، كما الرحم بالنسبة للجنين، هكذا الماء بالنسبة للمؤمن. فإنه في الماء يتشكل ويأخذ هيئته. في البداية قيل: "لتخرج المياه الزحافات الحية" (تك 1: 20)؛ لكن منذ دخل الرب مجاري الأردن لم تعد بعد تخرج المياه "زحافات حية" بل نفوسًا عاقلة حاملة الروح، "كعروس خارجة من خدرها" (مز 18: 6). الآن نتحدث عن المؤمنين إذ يبعثون أكثر بهاء منه (من المولود بالجسد). فمن يتشكل في الرحم يحتاج إلى زمن، لكن الأمر غير ذلك في الماء، فكل شيءٍ يتم في لحظة واحدة. هنا حياتنا قابلة للموت، تأخذ أصلها من فساد الأجساد الأخرى، فتتم الولادة ببطء، لكن الأمر ليس هكذا في الروحيات. لماذا؟ لأن الأمور تتشكل كاملة من البداية.

+ إذ سمع نيقوديموس ذلك اضطرب، انظروا كيف فتح المسيح أمامه خفايا هذا السرّ تدريجيًا، وجعله أكثر وضوحًا، إذ كان منذ لحظات غامضًا. قال: "المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح" (6). لقد قاده بعيدًا عن كل المحسوسات ولم يسمح له أن يتفحص الأسرار المعلنة باطلاً بعينيه الجسديتين. يقول: "إننا لسنا نتحدث عن الجسد، بل عن الروح يا نيقوديموس (بهذه الكلمات قاده نحو السماويات إلى حين)، لا تطلب أمرًا يخص أمور الحواس، فإن الروح لن يظهر مطلقًا لهذه الأعين، لا تظن أن الروح يلد جسدًا. ربما يسأل أحد: كيف إذن ولد جسد الرب؟ ليس من الروح وحده بل من الجسد، وكما يعلن بولس: "من امرأة مولودًا تحت الناموس" (غلا 4:4) فإن الروح شكَّله بالحق ليس من عدم (وإلا فما الحاجة إذن إلي الرحم؟)، وإنما شكله من جسم بتولي...

"المولود من الروح هو روح" بمعنى "من يولد من الروحي روحي". فالميلاد الذي يتحدث عنه هنا ليس حسب الجوهر بل حسب الكرامة والنعمة.
القديس يوحنا الذهبي الفم









"لا تتعجب إني قلت لك: ينبغي أن تولدوا من فوق". (7)

"الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها،

لكنك لا تعلم من أين تأتي، ولا إلى أين تذهب،

هكذا كل من وُلد من الروح". (8)

كما أنه لا سلطان للإنسان على الريح الذي يهب ونشعر به دون أن نعرف أين يبدأ تمامًا ولا إلى أين ينتهي، هكذا الولادة بالروح لها قوتها وفاعليتها. هي عطية مجانية من قبل الله، لا سلطان لنا عليها، يوجهها الله، وهي تتمم كلمته (مز ١٤٨: ٨).

عمل الروح في المعمودية كالريح القوية التي تظهر من فاعليتها وآثارها. يعمل خفية سرائريًا، لكن أثره واضح في حياة المؤمن يتلامس معه كل النهار. "كما أنك لا تعلم طريق الريح.. كذلك لا تعلم أعمال الله الذي يصنع الجميع" (جا 11: 5)

+ إذ تكلم المخلص نفسه إلى تلاميذه في الهيكل قال: "قوموا ننطلق من ههنا"، وقال لليهود: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 38:23). إن كانت السماء والأرض تزولان (لو33:21) فواضح أن كل الأشياء الأرضية حتمًا ستزول.
القديس جيروم


+ بقوله"لا تتعجب" أظهر اضطراب نفس نيقوديموس، وقاده إلي أمر أخف من الجسد. لقد قاده بالفعل بعيدًا عن الجسديات بقوله "المولود من الروح هو روح"، وإذ لم يعرف نيقوديموس معنى ما هو هذا الذي يولد من الروح وهو روح قدم له بعد ذلك مثلا آخر، فلم يأتِ به إلى كثافة الأجسام، ولا تحدث عن أمور خالية من الأجسام تمامًا (لأنه لو سمع ذلك لما قبله)، إنما وجد شيئًا في الوسط ما بين الجسم وما هو خال من الجسم، "حركة الريح". قال: "الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب" (8). يقول إن كانت الريح تهب حيث ما يلائمها لا يقول هذا كما لو كان للريح قوة الاختيار، إنما يعلن عن حركتها الطبيعية التي لا يمكن مقاومتها، وهي بذات قوة... تنتشر في كل موضع وليس من يصدها ولا من يعوقها في عبورها من هنا إلى هناك، إنما تعبر بقوةٍ عظيمةٍ، وليس من يقف أمام عنفها. "وتسمع صوتها" (8)، أي حفيفها وضجيجها، "لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من ولد من الروح" (8). هنا النتيجة النهائية لكل الأمر: يقول: "إن كنت لا تعرف كيف تفسر حركة هذه الريح وعبورها، التي تدركها بالسمع واللمس، كيف ترتبك جدًا أمام عمل الروح الإلهي، وأنت لا تفهم هذا عن الريح مع أنك تسمع صوتها؟
القديس يوحنا الذهبي الفم


"أجاب نيقوديموس، وقال له:

كيف يمكن أن يكون هذا؟" (9)

في حيرة يقف معلم إسرائيل متسائلاً: "كيف يمكن أن يكون هذا؟" لم يستطع بإدراكه المادي أن يتعرف على الأمور الروحية التي تبدو للإنسان الطبيعي كأنها جهالة. لم يستطع بالحكمة البشرية أن يعرف ما هو إلهي. لقد أوضح له السيد بما فيه الكفاية أن هذه الولادة الجديدة روحية سماوية من اختصاص روح الله القدوس، لا تخضع لقوانين الطبيعة ومنطق البشر المجرد، هي من اختصاص الله وحده الفائق القدرة.

"أجاب يسوع وقال له:

أنت معلم إسرائيل ولست تعلم هذا؟" (10)

كأن السيد المسيح يوبخه قائلاً له: كيف وضعت على عاتقك أن تقود العميان إلى الحق وأنت لا تعرف الحق؟ تدعو الذين يقبلون اليهودية أن يعتمدوا بالماء كرمز للميلاد الجديد وأنت نفسك لم تتمتع بالميلاد الجديد ولا تعرفت عليه. ألم يقرأ نيقوديموس عن عمل روح الرب في حياة الناس، كما حدث في مسح شاول ملكا؟ "يحل عليك روح الرب، فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر... وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الله أعطاه قلبًا آخر، وأتت جميع هذه الآيات في ذلك اليوم" (1 صم 10: 6، 9). وأيضا الوعد الإلهي في الأنبياء: "وأجعل في داخلكم روحًا جديدًا، وأنزع قلب الحجر من لحمهم، وأعطيهم قلب لحم" (حز 11: 19)، "أجعل روحي فيكم فتحيون" (حز 37: 14). "هل أنا أفحص ولا أولد يقول الرب؟" (إش 66: 9) "ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي علي كل بشر" (يوئيل 2: 28).

+ ماذا أيها الاخوة؟ أتظنون أن الرب يود أن يوبخ معلم اليهود هذا مسخّفًا به؟ لقد علم الرب ما كان يفعله، فقد أراد من هذا الرجل أن يولد من الروح. لا يولد أحد من الروح إن لم يتواضع، لأن التواضع نفسه يجعلنا نولد من الروح، "لأن الرب قريب من منكسرين القلوب" (مز34: 18). كان الرجل منتفخًا بكونه معلمًا؛ هذا يظهر من شعوره بأهميته كمعلمٍ لليهود. لقد أنزل يسوع كبرياءه لكي ما يولد من الروح. لقد وبّخه كشخصٍ غير متعلمٍ، لا لكي يظهر الرب كسيد عليه. فإنه أي وجه للمقارنة بين اللَّه والإنسان، وبين الحق والباطل؟
القديس أغسطينوس


"الحق الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم،

ونشهد بما رأينا، ولستم تقبلون شهادتنا". (11)

هنا يتحدث السيد المسيح بصيغه الجمع، لعله يقصد أن ما ينطق به إنما باسم الثالوث القدوس الذي يشتهي ميلاد البشرية الجديد ليتمتع كل مؤمن بالشركة مع الثالوث. إذ يصعب على الإنسان الطبيعي إدراك هذا الميلاد الروحي الجديد، يقدم السيد المسيح شهادته هو والآب عن رؤيتهما لهذا الميلاد الفوقاني العجيب خلال عمل الروح القدس في مياه المعمودية.

"أن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون،

فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟" (12)

يقصد بالأرضيات الحديث عن الريح التي تهب حيث تشاء ونسمع صوتها، ولكننا لا نعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. (8)، كما أيضًا يقصد بها "نقض هيكل جسده" (2: 19)، أما السماويات فهي الميلاد بالروح وقيامة المسيح وصعوده إلى السماء.

المعمودية هي ميلاد روحي يتم على الأرض لكي يبدأ المؤمن رحلته إلى السماء خلال اتحاده بالمسيح الذي صعد إلى السماء. فمن لا يقدر أن يقبل الميلاد الروحي كيف يمكنه أن يصعد بقلبه إلى السماء؟

إنهم كجسديين لم يستطيعوا أن يقبلوا الميلاد الجديد من الماء والروح، وهذه بداية انطلاقة الإنسان بقلبه وفكره وكل أعماقه نحو السماء. إنهم لم يقبلوا بعد بدء هذه الرحلة السماوية فكيف يصعدون مع السيد المسيح إلى سماواته، بالتناول من جسد الرب ودمه والتعرف علي أسرار الثالوث القدوس وعمله في المؤمن، والشركة مع السمائيين؟

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:16 pm

+ يرى البعض أن تعبير "الأرضيات" مستخدم بخصوص الريح، بمعنى "إن كنت قدمت لكم مثلا من الأرضيات ولم تصدقوا حتى هذا، فكيف يمكنكم أن تتعلموا العلويات؟

لا تتعجبوا إن دعا المعمودية هنا أمرًا أرضيًا، فقد دعاها هكذا إما لأنها تتم على الأرض، أو بالمقارنة بميلاده الكلي المهابة. فمع أن هذا الميلاد الذي لنا هو سماوي، لكن بالمقارنة بالميلاد الحقيقي الذي في ذات الآب، يحسب أرضيًا. لم يقل: "لم تفهموا" بل قال "لستم تؤمنون"، لأنه عندما يكون شخص ما ميال إلى سوء النية من جهة أمور معينة يمكن إدراكها بالعقل وغير مستعد لقبولها بحق يمكن اتهامه أنه خالٍ من الفهم، ولكن عندما لا يتقبل أمورًا لا يمكن فهمها بالعقل بل بالإيمان وحده، الاتهام الموجه ضده هو أنه خال لا من الفهم بل من الإيمان.
القديس يوحنا الذهبي الفم


"وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء،

ابن الإنسان الذي هو في السماء". (13)

ربما يشير هنا إلى مفهوم خاطئ لدى بعض اليهود وهو أن موسى صعد إلى السماء حيث استلم الناموس ونزل به إلى إسرائيل. يصحح السيد مفهومهم مؤكدًا أنه ليس أحد يصعد إلى السماء إلاَّ ابن الإنسان الذي نزل من السماء، وبقي بلاهوته يملأ السماء. هو وحده يقدر أن يكشف عن الأسرار السماوية، ويحمل المؤمنين إلى السماء، ويقدم لهم إرادة الآب.

لقد تحدث نيقوديموس مع السيد بكونه نبيًا من عند الله، فكان يليق به أن يدرك أن السيد أعظم من نبي، بتجسده نزل من السماء، وبلاهوته قائم في السماء. إنه الرب من السماء (١ كو ١٥: ٤٧).

v إن قلت وأية صلة بين هذا الكلام وما قبله؟! أجبتك: إنه متصل بالأقوال التي قبلها اتصالاً وثيقًا جدًا، لأنه إذ قال نيقوديموس للمسيح: "يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله معلمًا"، تلافى ربنا هذا القول بعينه، فقارب أن يقول له: لا تظن إننى أوجد على هذا المثال معلمًا مثل الكثيرين من الأنبياء الموجودين من الأرض، لكنني قد أتيت من السماء وأنا مقيم هناك أيضًا.

أعرفت كيف أن المسيح ليس هو في السماء فقط، لكنه حاضر في كل مكان مالئ خلائقه كلها؟
القديس يوحنا الذهبي الفم


+ نزل من أجلنا، لنصعد نحن من أجله. هو وحده نزل وصعد، ذاك الذي يقول: "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء". ألا يصعد هؤلاء الذين جعلهم أبناء اللَّه إلى السماء؟ بالتأكيد يصعدون، هذا هو الوعد المقدم لنا: "سيكونون كملائكة اللَّه". إذن كيف لا يصعد أحد إلا الذي نزل؟ لأنه واحد فقط هو الذي نزل، وواحد هو الذي يصعد. وماذا عن البقية؟... رجاء البقية هو هذا، إنه نزل لكي ما فيه وبه يصيرون واحدًا، هؤلاء الذين يلزم صعودهم به... هذا يظهر وحدة الكنيسة. ويل للذين يبغضون الوحدة، ويجعلون من أنفسهم أحزابًا من البشر!

+ يليق بنا أن نرحل، لكن هذه الرحلة لا تحتاج إلى دهن الأقدام (للسير بها)، ولا إلى طلب حيوان (نركبه) ولا إلى سفينة.

ليتك تجري بعاطفة القلب، لتسير في الرحلة في رفقة الحب، لتصعد بالمحبة.

لماذا تبحث عن الطريق؟ التصق بالمسيح الذي بنزوله جعل من نفسه "الطريق".

أتريد أن تصعد؟ تمسك بذاك الذي يصعد. بذاتك لن تقدر أن ترتفع... إن كان لا يصعد أحد إلاَّ الذي نزل، أي ابن الإنسان، ربنا يسوع المسيح، فهل تريد أن تصعد أنت أيضًا؟

كن عضوًا في ذاك الذي وحده يصعد. لا يصعد إلاَّ الذي يكون عضوًا في جسده، فيتحقق القول: "لا يقدر أحد أن يصعد إلاَّ الذي نزل"...

لقد ترك أباه وأمه والتصق بزوجته لكي يصير الاثنين واحدًا (أف ٥: ٣١). لقد ترك أباه لا لكي يظهر نفسه مساويًا للآب، وإنما لكي يخلي نفسه آخذًا شكل العبد (في ٢: ٧).

لقد ترك أمه أيضًا، المجمع الذي منه وُلد حسب الجسد. لقد التصق بزوجته التي هي كنيسته.

الآن في الموضع الذي في المسيح نفسه هذه الشهادة، لقد أظهر أن رباط الزواج لا ينحل (مت ١٩: ٤)... "ليسوا بعد اثنين بل جسد واحد"، هكذا "لا يصعد أحد إلاَّ الذي نزل".

لكي تعرفوا أن العريس والعروس هما واحد حسب جسد المسيح، وليس حسب لاهوته... لكي تعرفوا أن هذا الكامل هو مسيح واحد، قال بإشعياء: "وضع عمامة عليّ كعريسٍ، وكساني بالزينة كعروس" (إش ٦١: ١٠).
القديس أغسطينوس
+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:16 pm

اليوم السادس ( السبت ) من الأسبوع السادس من الصوم الكبير


قراءات باكر
قراءات القداس

مز 79 : 8 ، 9

مت 9 : 1 - 8

أفسس 4 : 1 - 7

1 بط 1 : 13 - 21

أع 27 : 9 - 26

مز 32 : 1 ، 2

مر 10 : 46 - 52

يوم السبت من الأسبوع السادس



خلاص المعمودية [ مقتطفات من كتاب كنوز النعمة ]

ارتباط الفصول :

تدور فصول هذا اليوم جميعها حول موضوع واحد هو " خلاص المعمودية " أى خلاص الذين يؤمنون بالسيد ويعتمدون على حد قول الإنجيل " من آمن واعتمد خلص " ( مر 16 : 126 ) ، فإنجيل باكر يتكلم عن غفران المخلص لخطايا المؤمنين كما غفر للمفلوج المدلى من السقف خطاياه حينما رأى إيمان ذويه ، وإنجيل القداس عن خلاصه لهم كما قل لبارتيماوس الأعمى " إيمانك قد خلصك " .

وتتحدث رسالة البولس عن النعمة التى يفيضها يسوع على المعتمدين كما قال بولس الرسول للمؤمنين إن لكل واحد منهم قد أعطيت النعمة على قدر موهبة المسيح ، والكاثوليكون يحثهم فيه بطرس على القداسة بقوله " كونوا قديسين فى كل سيرة " ، والبركسيس يتكلم عن نجاتهم من الخطر كما نجا بولس ورفاقه من مخاطر السفر بحرا .

المزامير والأناجيل :

مزمور باكر : ( 79 : 8 ، 9 )

بلسان الخطاة الذين يمثلهم الرجل المفلوج المدلى من السقف الوارد ذكره بفصل الإنجيل ، وهم الذين يعبر بلسانهم المزمور عن حالتهم الروحية بقوله " قد أفتقرنا جدا " وذلك لكثرة خطاياهم ، يتضرع هذا المزمور إلى الله أن يتداركهم برأفاته فيقول " فلتدركنا رأفاتك . لأننا قد أفتقرنا جدا . أعنا يا الله مخلصنا ، من أجل مجد أسمك " .

إنجيل باكر : ( مت 9 : 1 – 8 )

يتكلم هذا الفصل عن غفران المخلص لخطايا المؤمنين ، ودليل ذلك قوله للرجل المفلوج بعد أن رأى إيمان ذويه " مغفورة لك خطاياك " .
البولس من أفسس 4 : 1 – 7



إذ كانت الكنيسة الجامعة في حقيقتها هي "سرّ المسيح المكتوم"، وقد أعلن لنا عن مجيء المسيح فتحققت مسرة الآب فيه، وتهلل السمائيون بنا كعروس مقدسة وكجسدٍ مقدسٍ للرأس القدوس، ضمت أعضاء الجسد من الأمم واليهود، فإن هذه الكنيسة الجامعة يلزم أن تترجم عمليًا في حياتنا الكنسية وعبادتنا وسلوكنا الأسري والاجتماعي وفي جهادنا الروحي الخفي. هذا ما أكده الرسول بولس في الأصحاحات الثلاثة الأخيرة [ 4 – 6 ]

الكنيسة ليست مؤسسة، لكنها "حياة في المسيح"، تتجلى في أعماقنا كما في كل تصرف خفي أو ظاهر.

الأصحاح الرابع

الوحدة وإضرام المواهب

الله في محبته أعلن لنا "سرّ المسيح"، الذي هو سرّ الكنيسة الجامعة التي تضم الأمم لتنعم بالحياة في المسيح، لذا يليق بنا أن نقابل هذا الحب الإلهي العملي إيجابيًا باتساع قلبنا لبعضنا البعض، فنحمل وحدانية الروح. هذه الوحدانية لا تعني أن نكون نسخة متشابهة لبعضنا البعض بل نكون أشخاصًا لنا مواهبنا المتباينة التي أُعطيت لنا للعمل معًا، يكمل أحدنا الآخر لبنيان الكنيسة وبنيان نفوسنا، لعلنا نبلغ "قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" [ 13 ]



1. المحبة ووحدانية الروح

إن كان الرسول يشعر بالتزام نحوهم ليحقق فيهم بالنعمة "سرّ المسيح"، محتملاً الشدائد حتى الأسر لمجدهم، فإنه يليق بهم من جانبهم أن يدركوا الدعوة الإلهية التي دعوا إليها. فالعمل لا يكون من جانب الخادم وحده، وإنما يليق بكل عضو حيّ أن يلتزم بدوره، أو بمعنى أصح أن يعتز بعضوية الكنيسة خلال العمل الجاد. أما مركز هذا العمل فهو الالتزام بالمحبة الجادة الواهبة وحدانية الروح خلال انسجام كل الأعضاء معًا كجسدٍ واحد لرأس واحد.

يوصيهم الرسول:

"فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ،

أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ" [ 1 – 3 ]

لما كان موضوع "وحدانية الروح" أو رباط السلام أمرًا له تنازلاته الكثيرة من كل عضو لذا بدأ الحديث عنه بإعلان الرسول عن تنازلاته التي هي بالحق سرّ مجده وكرامته، إذ يدعو نفسه "الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ" [1].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لها من كرامة عظيمة! إنها أعظم من كرامة الملوك أو السفراء... كان أمجد له أن يكون أسيرًا من أجل المسيح عن أن يكون رسولاً أو معلمًا أو كارزًا. من يحب المسيح يفهم ما أقوله. من دخل إلى التكريس للرب والتهب به يعرف قوة هذه القيود. مثل هذا يفضل أن يكون سجينًا من أجل المسيح عن أن تكون السماوات مسكنه. كانت اليدان أكثر مجدًا مما لو كانتا مزينتين بزينةٍ ذهبيةٍ أو بتاجٍ ملوكيٍ....]


لقد خصص القديس يوحنا الذهبي الفم العظة الثامنة كلها في تفسير الرسالة إلى أهل أفسس يمجد فيها الآلام التي تُحتمل من أجل المسيح، أيًا كان نوعها أكثر من المجد الذي نتقبله حتى من يديّ السيد المسيح نفسه.

هذا بالنسبة للآلام أما بالنسبة لوحدة الكنيسة فقد امتص هذا الموضوع فكر آباء الكنيسة، فلا ندهش إن رأينا القديس يوحنا الذهبي الفم قد خصص العظة التاسعة في تفسيره للرسالة إلى أهل أفسس بأكملها لشرح العبارات الثلاث الواردة في أول هذا الأصحاح. وقد لخص القديس حديثه بكلمات قليلة في موضع آخر بقوله: [اسم الكنيسة ليس اسم الانقسام بل الوحدة والانسجام، يلزم أن تكون كنيسة واحدة في العالم، بالرغم من وجود كنائس كثيرة منتثرة في مواضع كثيرة.]

+ الأسقفية واحدة، تتجمع أجزاؤها معًا خلال الأساقفة (الكثيرين).

الكنيسة واحدة تمتد بثمارها المتزايدة المنتشرة بين الجمهور كأشعة الشمس الكثيرة مع أن النور واحد، وكأغصان الشجرة الكثيرة لكن الجذر واحد...

هكذا غطست الكنيسة في نور الرب لذا ترسل أشعتها على العالم لكن النور واحد يبلغ كل موضع، ووحدة الجسد لا تُنتزع منها.
القديس كبريانوس
+ ما أعظم سلطان قيود بولس كما يظهر هنا، فإنها أمجد من المعجزات. فإنه ليس عبثًا يتحدث عنها - كما يبدو - ولا بدون هدف، وإنما أراد أن يتلامس معهم خلالها فوق كل شيء. فماذا يقول: "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:17 pm

الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا" [ 1 ] ، كيف يكون هذا؟ "بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ" [ 2 ]

لم يكن مكرمًا لمجرد كونه أسيرًا، وإنما لأنه كان هكذا من أجل المسيح! لذا يقول "فِي الرَّبِّ"، أي أنه أسير لأجل المسيح. ليس شيء ما يعادل هذا!

الآن تجتذبني القيود جدًا فتبعدني عن الحديث في الموضوع، وتدفعني للخلف (أي العودة إلى الحديث عنها من جديد)، فإنني لا أستطيع مقاومة الحديث عنها. إنني أنجذب إليها تلقائيًا، نعم وبكل قلبي، ليكون نصيبي الدائم هو الإسهاب في الحديث عن قيود بولس...

+ الآن لا تملوا، فإنني أريد أن أقدم إجابة لتساؤل يثيره الكثيرون، عندما يقولون: إن الضيقات ممّجدة، فلماذا قال بولس نفسه في دفاعه أمام أغريباس: "كنت أصلي إلى الله أنه بقليل وبكثير ليس أنت فقط بل أيضًا جميع الذين يسمعونني اليوم يصيرون هكذا كما أنا ما خلا هذه القيود" (أع ٢٦: ٢٩)؟

حاشا أن يكون قد نطق بهذا للتحقير من شأن القيود، لا، فإنه لو كان الأمر هكذا لما كان يفتخر بالقيود والسجون والضيقات الأخرى، عندما قال في موضع آخر: "فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي" (٢ كو ١٢: ٩). فماذا هو الأمر (بالنسبة لما قاله أمام أغريباس)؟... لم يكن من يتحدث أمامهم قادرين على السماع عن جمال القيود وبهائها وبركتها، لذا أضاف: "ما خلا القيود".

عندما كتب إلى العبرانيين لم يقل هذا، بل حثهم أن يكونوا "كمقيدين" (عب ١٣: ٣) مع المقيدين...

قدير هو سلطان قيود بولس!...

إنه لمنظر جميل مشبع أن ترى بولس مقيدًا وهو خارج من السجن، كما تنظره مقيدًا وهو داخل السجن... فإن كان القديسون في كل الأوقات يحملون منظرًا مجيدًا، إذ هم مملوؤن نعمة غنية، فإنهم يكونون هكذا بالأكثر عندما يتعرضون لمخاطر من أجل المسيح، عندما يصيرون مسجونين. وكما أن الجندي الشجاع يمثل منظرًا مبهجًا في كل الأوقات وذلك من تلقاء نفسه لكل من يتطلع إليه خاصة عندما يقف في الصفوف بجانب الملك، هكذا تأملوا بولس بأية عظمة يكون عندما ترونه يعلّم وهو في قيوده!
القديس يوحنا الذهبي الفم


+ يقول: "َأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا" [ 1].

لكن ما هذه الدعوة؟ يُقال: لقد دُعيتم جسده. صار المسيح رأسًا لكم، ومع أنكم كنتم أعداء وارتكبتم شرورًا بلا حصر، غير أنه أقامكم معه، وأجلسكم معه (أف ٢: ٦). إنها دعوة عليا، دعوة لإمتيازات سامية، لا بدعوتنا لترك حالتنا السابقة فحسب وإنما بتمتعنا بإمتيازات كهذه...

لكن كيف يمكن أن نسلك فيها؟ "بِكُلِّ تَوَاضُعٍ" [ 2 ] . هذا هو أساس كل فضيلة. إن كنت متواضعًا وتأملت ما أنت عليه، وكيف خلصت، فإن هذه التأملات تدفعك لكل فضيلة. فإنك لا تنتفخ بالقيود ولا بهذه الإمتيازات التي أشرت إليها، وإنما تتواضع لأنك تعرف أن هذه جميعها إنما هي من قبيل النعمة.

الإنسان المتواضع قادر أن يكون عبدًا كريمًا وشاكرًا في نفس الوقت. فإنه "أي شيء لك لم تأخذه؟" (١ كو ٤: ٧). اسمع أيضًا قوله: "أنا تعبت أكثر منهم جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي" (١كو ١٥: ١٠).

يقول " بِكُلِّ تَوَاضُعٍ"، ليس فقط بالأقوال ولا بالأفعال وإنما بالاحتمال حتى في نغمة الصوت. لا تكن متواضعًا مع شخص وخشنًا مع آخر. بل كن متواضعًا مع جميع البشر، سواء كانوا أصدقاء أم أعداء، عظماء أم محتقرين، هذا هو التواضع.

كن متواضعًا حتى في أعمالك الصالحة. اسمع ما يقوله المسيح: "طوبى للمساكين بالروح" (مت ٥: ٣)، وقد وضع هذا في بداية (التطويبات).
القديس يوحنا الذهبي الفم


إذ دُعينا جسد المسيح الواحد، فإننا لا نستطيع أن ننعم بوحدانية الروح، ونثابر عليها بدون التواضع الحقيقي، الذي هو أساس كل فضيلة، وبداية كل تطويب.

سلوكنا بالحق كما يليق بدعوة المسيح لنا يلزمنا أن ننعم " بِكُلِّ تَوَاضُعٍ"، فإن كان كلمة الله بتواضعه أخلى ذاته، وصار كواحدٍ منا، لكي يضمنا إليه ويثبتنا فيه كجسد للرأس الواحد، هكذا إذ يكون لنا فكره ونحمل تواضعه عاملاً فينا، نحمل وحدانية الروح مع بعضنا البعض فيه. بمعنى آخر، بالتواضع نزل إلينا الكلمة الإلهي ليهبنا الوحدة فيه، وحدتنا مع الآب بروحه القدوس، ووحدتنا مع بعضنا البعض فيه.

إذ نسلك بكل تواضع في الرب نحمل وداعة تجاه إخوتنا، محتملين بعضنا بعضًا في المحبة كأساس حيّ لحفظ وحدانية الروح. يقول الرسول:

"بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ،

مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.

مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ" [ 2 – 3 ]

+ إن كنت لا تحتمل أخاك العبد رفيقك فكيف يحتملك السيد؟ حيث توجد المحبة يمكن احتمال كل شيء!

+ "مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ" ]٣[. اربط يديك بالاعتدال. مرة أخرى نرى هذا الاسم الحسن " بِرِبَاطِ (قيود)". لقد تركنا الحديث عن القيود، وهذا هو يعود ثانية من تلقاء ذاته.

كانت القيود السابقة (الخاصة بأسر الرسول) حسنة، وهذه القيود أيضًا حسنة، تلك كانت ثمار هذه (أي احتمال الآلام هو ثمرة لرباط المحبة).

اربط نفسك بأخيك؛ فالذين يرتبطون معًا بالمحبة يستطيعون أن يحتملوا كل شيء بسهولة. اربط نفسك بأخيك، وهو بك؛ أنت سيد لنفسك ولأخيك؛ فمن أشتاق أن أقيمه صديقًا لي أستطيع باللطف أن أحقق هذا معه.

بقوله "مُجْتَهِدِينَ" يُظهر أن الأمر لا يتحقق بسهولة، وليس في قدرة كل أحد.

"مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ"؛ ما هي وحدانية الروح هذه؟ في الجسد البشري توجد روح تجمع الأعضاء معًا رغم تنوعها. هكذا الحال هنا، فقد أُعطى الروح (القدس) لهذا الغرض، ليوّحد الذين تفرقوا بسبب الجنس أو لأسباب أخرى، فيتحد الكبير والصغير، الغني والفقير، الطفل والشاب، المرأة والرجل، وتصير كل نفس معًا، متحدين أكثر من كونهم جسدًا واحدًا. هذه العلاقة الروحية أسمى من العلاقة الطبيعية؛ فكمال الوحدة هنا أكمل وأشد، لأن إتحاد النفس أكثر كمالاً بقدر ما أن النفس بسيطة ومتسقة.

كيف يمكن الاحتفاظ بهذه الوحدانية؟ "بِرِبَاطِ السَّلاَمِ". فإنه لا يمكن أن يكون لها وجود متى وجدت العداوة والخصام. يقول (الرسول): "فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟!" (١ كو ٣: ٣). فكما أن النار متى وجدت قطعًا جافة من الخشب تلتهب معًا ليصعد منها لسان واحد من اللهب، أما متى كانت مبللة فلا تعمل فيها ولا توّحد بينها، هكذا هنا أيضًا، فإنه ليس شيء من الطبيعة الباردة يقدر أن يجلب هذه الوحدانية، أما إن كانت الطبيعة حارة فإنه في الغالب يستطيع ذلك. هكذا حرارة المحبة تنشيء الوحدانية، وذلك برباط السلام...

كأنه بنفس الطريقة يود أن يقول إن أردت أن تلتصق بآخر، لا تستطيع أن تتمم ذلك إلاَّ بأن تلصقه هو أيضًا بك. إن أردت أن تجعل الرباط مزدوجًا يحتاج هو أيضًا أن يلتصق بك. هكذا يريدنا أن نرتبط مع بعضنا البعض، فلا نكون فقط في سلام ولا أن نحب بعضنا بعضًا بل وأن يكون الكل نفسًا واحدة.

مجيد هو هذا الرباط، به ينبغي أن يرتبط كل أحد بالآخر كما بالله.

هذا الرباط لا يسبب "إزرقاقًا في الجلد"، ولا يشّل حركة اليد التي يربطها، بل بالحري يتركها حرة، يسهل لها الحركة، ويهبها شجاعة للعمل أكثر مما تمارسه الأيدي الحرة. إذ رُبط القوي بالضعيف أعانه ولا يدعه يهلك، وإذ ارتبط بشخص متهاون أنهضه وأحياه. لقد قيل: "إذا عضد أخ أخاه صارا مدينة حصينة" (أم ١٨: ١٩).

هذه القيود (رباط السلام) لا يزعزعها بُعد المسافة، ولا السماء، ولا الأرض، ولا الموت، ولا شيء آخر، بل هي أقوى من كل شيء.
القديس يوحنا الذهبي الفم


+ لقد برهن أنه لا وحدة ولا سلام يمكن أن يُحفظ ما لم يطلب الإخوة بعضهم البعض خلال الاحتمال المشترك، ويحفظوا رباط الاتفاق خلال المشاركة في الصبر.

+ أتظن أنك تستطيع أن تثبت وتحيا إن انسحبت وبنيت لنفسك بيوتًا أخرى ومسكنًا مختلفًا (أي تركت رباط السلام والوحدة)، بينما قيل لراحاب التي كانت رمزًا للكنيسة: "اجمعي إليك في البيت أباكِ وأمك وإخوتك وسائر بيت أبيكِ، فيكون أن كل من يخرج من أبواب بيتك إلى خارج فدمه على رأسه" (يش ٢: ١٩)؟
الشهيد كبريانوس


2. وحدة الإيمان وتنوع المواهب

الرسالة إلى أفسس هي رسالة الوحدة المسيحية، إذ يقدم لنا الرسول بولس سبعة أشكال للوحدة تتفاعل معًا لتعيش الكنيسة بالإيمان الواحد:

أولاً: "جَسَدٌ وَاحِد" [ 4 ] ، ربما يقصد هنا وحدة الجماعة المقدسة من جهة التنظيم الكنسي، فإن كانت الوحدة في حقيقتها روحًا داخليًا لكن لا انفصال بين الروح والجسد، وبين الحياة الداخلية والتدبير الظاهر.

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:17 pm

وربما بقوله "جَسَدٌ وَاحِد" يشير إلى الوحدة الكنيسة النابعة عن الوحدة السرائرية القدسية Sacramental Unity، خاصة خلال سرّ الإفخارستيا. فالتنظيم الخارجي للكنيسة، مهما بلغ شأنه، يُعتبر ثانويًا بالنسبة لحياتها القدسية السرائرية. الروح القدس يعمل في الكنيسة خلال الأسرار المقدسة من أجل إتحاد كل إنسان في الله. والكنيسة منذ قيامها تتطلع إلى المذبح لتجد جسد الرب الذبيح الواحد، فتجد حياتها وعلّة وجودها، خلاله تنعم بالوحدة مع المسيح الواحد، وقيامها جسدًا واحدًا حيًا له. هذا ما شهدت به الليتورچيات الأولى؛ نقدم على سبيل المثال:

+ كما أن الخبز المكسور،

كان مرة مبعثرًا على التلال،

وقد جُمع ليصير (خبزًا) واحدًا،

كذلك اجمع كنيستك من أقاصي الأرض، في ملكوتك.
(ليتورچيا) الديداكية


+ كما أن عناصر هذا الخبز، كانت فيما مضى،

قد بُعثرت مرة في الجبال،

وقد جُمعت معًا وصارت واحدًا،

كذلك ابن كنيستك المقدسة من كل أمة،

ومدينة وبلدة وقرية وبيت،

واجعل منها كنيسة واحدة حية جامعة.
ليتورچيا الأسقف سرابيون


+ الآن ما هو هذا الجسد الواحد؟ إنه المؤمنون في العالم كله، الكائنون الآن، والذين كانوا، والذين سيكونون. مرة أخرى، الذين أرضوا الله قبل مجيء المسيح هم "جسد واحد". كيف يكون هذا؟ لأنهم هم أيضًا عرفوا المسيح. من أين يظهر هذا؟ يقول: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي، فرأى وفرح" (يو ٨: ٥٦). كما قال: "لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني" (يو ٥: ٤٦). لم يكن ممكنًا للأنبياء أن يكتبوا أيضًا عن "الواحد" لو أنهم لم يعرفوا ما قالوه عنه، لكنهم عرفوه وعبدوه، هكذا كانوا هم أيضًا جسدًا واحدًا

ليس الجسد منفصلاً عن الروح، وإلاَّ ما كان جسدًا، هكذا جرت العادة بيننا أن ندعو الأشياء المتحدة معًا والمتجانسة تمامًا والمتلاصقة أنها جسد واحد. وأيضًا من جهة الوحدانية نقول إن ما يخضع لرأسٍ واحدٍ هو جسد؛ وحيث يوجد رأس واحد، يوجد جسد واحد.

يتكون الجسد من أعضاء، مكرمة وغير مكرمة. ليس للعضو الأعظم أن يضاد المحتقر، ولا الأخير أن يحسد الأول. حقًا لا يساهم ك عضو بنفس المقدار كغيره، لكن كل واحد يقدم ما تدعو إليه الحاجة. وإذ خُلقت جميع الأعضاء لأغراض ضرورية ومتنوعة، لذا يُحسب الكل في كرامة متساوية...

يوجد في الكنيسة أعداد كبيرة، منهم من يمثلون الرأس، مرتفعون في الأعالي، ومنهم من يشبهون العينين اللتين في الرأس، يتطلعون نحو السماويات، يقفون بعيدًا عن الأرض، ليست لهم خلطة بها، ومنهم من يمثلون الأرجل يطأون على الأرض، الأرجل السليمة، لأن السير على الأرض لا يعتبر جريمة إنما الجري نحو الشر هو كذلك. يقول النبي: "أرجلهم إلى الشر تجري" (إش ٥٩: ٧).

ليت الرأس لا تتشامخ على الرجلين، ولا تتطلع الرجلان بالشر نحو الرأس، وإلاَّ تشوه الجمال الخاص بكل عضو وتعطّل كمال عمله.

طبيعي أن من ينصب الشراك لقريبه إنما ينصبها لنفسه أولاً، وإن رفضت الرجلان أن تحملا الرأس بعيدًا عن قصدها، فإنهما في نفس الوقت تؤذيان نفسيهما بتكاسلهما وبعدم الحركة. أيضًا إذا رفضت الرأس الاهتمام بالرجلين أصابها الأذى هي أولاً ...
القديس يوحنا الذهبي الفم


ثانيًا: "َرُوحٌ وَاحِدٌ" [ 4 ] ؛ الوحدة في جوهرها ليست تنظيمات خارجية، وإنما حياة داخلية يقودها روح الله القدوس الواحد، ليهب الكل روحًا واحدًا، وحياة داخلية متناسقة ومتناغمة معًا.

+ بالروح القدس، الذي يجمع شعب الله في واحد، يُطرد الروح الشرير المنقسم على ذاته.

+ من اختصاص الروح القدس الشركة التي بها صرنا جسدًا واحدًا لابن الله الواحد الوحيد، إذ مكتوب: "فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبة، إن كانت شركة ما للروح" (في ٢: ١).
القديس أغسطينوس


+ عندما نزل العليّ وبلبل الألسنة قسّم الأمم.

لكنه عندما وزّع ألسنة النار (الروح القدس)، دعى الكل إلى الوحدة.

لهذا باتفاق واحد، نمجد الروح كلي القداسة.

لحن عيد البنطقسطي Kantakon

(بالكنيسة الأرثوذكسية اليونانية)

+ الحب الذي يطلبه بولس ليس حبًا عامًا، إنما الحب الذي يثبتنا في بعضنا البعض، ويجعلنا ملتحمين معًا بغير انشقاق، فيقيم وحدة كاملة كما بين عضو وعضو. مثل هذا الحب ينتج ثمارًا عظيمة ومجيدة، لذا قال: "جَسَدٌ وَاحِدٌ"... وقد أضاف بطريقة جميلة: "َرُوحٌ وَاحِدٌ"، مُظْهِرُ أن يكون الجسد الواحد أيضًا روحًا واحدًا. إذ يمكن أن يوجد جسد واحد ولا يكون الروح واحدًا، كأن يصادق إنسان هراطقة.

بهذا التعبير أراد أن يكشف عن تظاهرهم بالاتفاق، كأنه يقول: "لقد قبلتم روحًا واحدًا، وشربتم من ينبوع واحد، لذا يجب ألاَّ تنقسموا في الفكر". ولعله أراد بالروح هنا غيرتهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم


ثالثًا: " رَجَاء وَاحِد" [ 4 ]، عمل الروح القدس قائد الكنيسة الداخلي بعث روح الرجاء الواحد نحو الميراث السماوي، والتمتع بشركة المجد الأبدي. هذا الرجاء الواحد الذي دعينا إليه ينزع عن الإنسان رغبته في الكرامات الزمنية وحب السلطة، فيطلب الكل ما هو غير منظور، ويتسابق الكل في احتلال المركز الأخير الذي احتله الرب حين صار عبدًا وأطاع حتى الموت موت الصليب.

+ لقد أضاف: "كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ" [ 4 ]، بمعنى أن الله دعا الكل بذات الشروط. لا يمنح واحدًا شيئًا غير الآخر، إنما يعطي الخلود للجميع مجانًا، يهب الكل الحياة الأبدية، والمجد الخالد، والأخوّة، والميراث.

إنه رأس الجميع، يقيم الجميع معه ويجلسهم معه (أف ٢: ٦) ...

هل يمكن القول بأنك دُعيت بواسطة إله أعظم وغيرك دُعي بواسطة إله أقل؟! هل أنت خلصت بالإيمان وغيرك خلص بالأعمال (الناموسية)؟! هل نلت أنت المغفرة في المعمودية وغيرك لم ينل؟! ...
القديس يوحنا الذهبي الفم


رابعًا: "رَبٌّ وَاحِدٌ" [ 5 ] .

+ يود لنا إتحادًا مع بعضنا البعض على نفس المثال الذي لوحدة الثالوث القدوس... هذه الوحدة هي أكمل إتحاد يلزم أن تنعكس على وحدة المؤمنين.
القديس كيرلس الكبير


خامسًا: "إِيمَانٌ وَاحِدٌ" [ 5 ] .

عمل الكنيسة الأول هو تقديم الإيمان الحق والثابت للعالم، لذا يدعوها القديس كبريانوس: "بيت الإيمان". هذا الإيمان تقبلته الكنيسة كوديعة تحفظه عبر الأجيال دون انحراف، وكما يقول القديس أيريناؤس: [الكنيسة الأولى الجامعة هي وحدها تعمل في وحدة الإيمان الواحد.]

عبر العلامة أوريجينوس في إحدى عظاته عن الفصح عن الإيمان الواحد الذي تعيشه الكنيسة الواحدة لتخلص معلقًا على ممارسة الفصح لكل عائلة في بيت واحد (خر ١٢: ٤٦)، قائلاً: [هذا يعني أنه بيت واحد له الخلاص في المسيح، أعني الكنيسة التي في العالم، هذه التي كانت متغربة عن الله والآن تتمتع بقرب فريد لله، إذ تقبلت رسل الرب يسوع كما تقبلت راحاب قديمًا في بيتها جاسوسيّ يشوع، فتمتعت وحدها بالخلاص وسط خراب أريحا.]

سادسًا: " مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ" [ 5 ]

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:18 pm

في سرّ المعمودية يتقبل المؤمنون - من أمم كثيرة - العضوية في جسد المسيح الواحد، ويشاركونه دفنه، وينعمون بحياته المقامة التي تهيئهم ليصيروا العروس السماوية الواحدة للعريس الواحد.

سابعًا: "إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ" [ 6 ] . ترتبط الكنيسة الجامعة بالراعي الواحد والآب بالرغم من وجود قيادات كنسية كثيرة، فيبقى أبوها سرّ وحدتها، إذ يقول الرسول:

"َآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ،

الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ" [ 6 ]

أبوة الله نحو المؤمنين عجيبة، تضمنا معًا تحت حبه وعنايته فنَظْهر أبناء لأب واحد "على الكل"، يدبر كل حياتنا خلال أبوته. أما قوله "بالكل"، فإنه كأبٍ محبٍ يعمل ليس فقط كمدبر "على الكل" وإنما بالكل، أي بنا، ومن خلالنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. وبقوله: "في كلكم" يؤكد سكناه فينا. بمعنى آخر أبوته تظهر في جوانب ثلاثة متكاملة:

أ. رئاسته الأبوية (على الكل).

ب. عمله بنا خلال تقديره لنا كأبناء له (بالكل).

ج. سكناه في داخلنا (في كلكم).

وقد لاحظ بعض الدارسين أن عبارات الرسول في هذا الأصحاح عن الوحدة شملت ثلاثة ثلاثيات:

أ. من جهة الكنيسة: جسد واحد، روح واحد، رجاء الدعوة الواحد [ 4 ]

ب. من جهة الإيمان: رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة [ 5 ]

ج. من جهة أبوة الله لنا: على الكل، بالكل، في الكل [ 6 ]

إذ تحدث الرسول عن سرّ الوحدة الكنسية التي تقوم خلال وحدة الجسد والروح والرجاء والإيمان والمعمودية، بإتحادنا في الله الواحد، وتمتعنا بأبوته الواحدة للكل. الآن يؤكد الرسول أن الوحدة لا تعني ذوبان الأشخاص وتطابق الكل ليكون الجميع صورة لشكلٍ واحدٍ، وإنما هي وحدة متناغمة ومنسجمة خلال المواهب المتنوعة. ففي أكثر من موضع يؤكد الرسول بولس تنوع المواهب كعلاقة على حيوية الكنيسة (رو ١٢: ٣ - ٨؛ ١ كو ١٢: ١ - ٣١). هذه المواهب تُعطى للأعضاء كهبة إلهية حسبما يرى الله بحكمته وأبوته. كأب حكيم يهب كل أحد بما يناسبه، وليس عن محاباة؛ إنه يعطي بفيض حسب كرمه الإلهي، إذ يقول الرسول: "وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ" [ 7 ]

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً:

[لاحظ أنه لم يقل "حسب إيمان كل واحد"، لئلا يسقط الذين ليس لهم معارف كثيرة في اليأس، لكنه ماذا قال؟ "حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ". يقول أن النقطة الرئيسية والأساسية هي أن الكل يشترك معًا في المعمودية والخلاص بالإيمان وأخذ الله أبًا لنا والشركة في الروح الواحد. فإن كان لهذا الإنسان أو ذاك موهبة روحية سامية لا تحزن قط، فإنه يُطالب بمتاعبٍ أكثر. فالذي أخذ خمس وزنات كان مطالبًا بخمس، أما الذي نال وزنتين فأحضر فقط وزنتين (أخريتين) ومع هذا نال مكافأة لا تقل عن الأول. لذلك فإن الرسول هنا أيضًا يشجع السامع على نفس الأساس، مظهرًا أن المواهب تُعطى لا لتكريم شخص عن آخر، وإنما لأجل العمل في الكنيسة، كما يقول بعد ذلك: "لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ" [ 12 ] . لذلك يقول حتى عن نفسه: "ويل لي إن كنت لا أبشر" (١ كو ٩: ١٦). كمثال: نال هو موهبة الرسولية، لذلك الويل له - لا لأنه تقبلها - (وإنما إن كان يهمل فيها)، أما أنت فلا تسقط تحت هذا الخطر.

"حَسَبَ قِيَاسِ" [ 7 ] . ماذا يعني "حسب قياس"؟

إنها تعني "ليس حسب استحقاقنا"، وإلاَّ ما كان أحد قد نال ما ناله، وإنما حسب العطية المجانية التي نلناها.

إذن لماذا ينال أحد أكثر مما ينال آخر؟

يود أن يقول بأنه ليس شيء يسبب ذلك، وإنما الأمر هو مجرد تنوّع، لكي يساهم كل أحد في "البناء". بهذا يُظهر أن الإنسان لا ينال أكثر وغيره أقل حسب استحقاقه الذاتي، وإنما من أجل (نفع) الآخرين، حسب قياس الله، إذ يقول في موضع آخر: "وأما الآن فقد وضح الله الأعضاء كل واحد منها في الجسد كما أراد"

(١ كو ١٢: ١٨).]
القديس يوحنا الذهبي الفم


إذن فالعطية إلهية تُعطى حسب حكمة الله الفائقة أو حساب قياس المسيح كما يقول الرسول، لكن دون شك إضرامنا للمواهب المجانية وأمانتنا تفتح بابًا لنوال عطايا مجانية أكثر، وكما يقول القديس چيروم: [هذا لا يعني أن قياس المسيح يتغير، لكن قدر ما نستطيع أن نتقبل يسكب نعمته فينا.]
+ + +



الإنجيل من مرقس 10 : 46 – 52


46 و جاءوا الى اريحا و فيما هو خارج من اريحا مع تلاميذه و جمع غفير كان بارتيماوس الاعمى ابن تيماوس جالسا على الطريق يستعطي
47 فلما سمع انه يسوع الناصري ابتدا يصرخ و يقول يا يسوع ابن داود ارحمني
48 فانتهره كثيرون ليسكت فصرخ اكثر كثيرا يا ابن داود ارحمني
49 فوقف يسوع و امر ان ينادى فنادوا الاعمى قائلين له ثق قم هوذا يناديك
50 فطرح رداءه و قام و جاء الى يسوع
51 فاجاب يسوع و قال له ماذا تريد ان افعل بك فقال له الاعمى يا سيدي ان ابصر
52 فقال له يسوع اذهب ايمانك قد شفاك فللوقت ابصر و تبع يسوع في الطريق




+ + +

الحاجة إلى تفتيح الأعين

إذ كان السيد خارجًا إلى أريحا، منطلقًا إلى أورشليم ليدخل إلى الآلام ويحمل الصليب عنا التقى بأعميين، ذكر القديس مرقس احدهما بالاسم "بارتيماوس بن تيماوس". كان هذا الأعمى "جالسًا على الطريق يستعطى. فلما سمع أنه يسوع الناصري، ابتدأ يصرخ ويقول: " يا يسوع ابن داود ارحمني. فانتهره كثيرون ليسكت، فصرخ أكثر كثيرًا: يا ابن داود ارحمني. فوقف يسوع وأمر أن يُنادي، فنادوا الأعمى قائلين له: ثق، قم، هوذا يناديك. فطرح رداءه وقام، وجاء إلى يسوع. فأجاب يسوع وقال له: ماذا تريد أن أفعل بك؟ فقال له الأعمى: يا سيدي أن أبصر. فقال له يسوع: اذهب، إيمانك قد شفاك. فللوقت أبصر، وتبع يسوع في الطريق" [46- 52].

لهذا العمل الإلهي أهميته الخاصة، فمن جهة أنه تم في الطريق حيث كان السيد مسرعًا نحو الصليب، وكأنه أراد أن يعلن غاية آلامه تفتيح عيني البشرية الداخليتين، أي بصيرتها القلبية، لتعاين أمجاد ملكوته القائم على صلبه وقيامته. ومن جانب آخر جاء هذا العمل يعلنه الإنجيلي بعد رفض الشاب الغني التبعية للمسيح وانشغال التلاميذ بالمراكز الأولى والتمتع بالكرامات الزمنية. وكأن طريقه الصعب يحتاج إلى عمله الإلهي ليهب النفس استنارة داخلية، فتتعرف على ملامح الطريق وتسلك فيه. وقد قدم لنا الإنجيلي تفاصيل تفتيح عيني هذا الأعمى لما حمله هذا العمل من مفاهيم روحية عميقة:

أولاً: تم تفتيح العينين عند أريحا على الطريق... ويرى القديس جيروم أن اسم المدينة ملائم للموقف، فإن معناه "قمر" أو "أناثيما"، أي "محروم"، حيث كان السيد منطلقًا إلى أورشليم ليحتمل الآلام والحرمان بالجسد لأجل خلاصنا.

كان الأعمى جالسًا على الطريق يستعطى. فإن كان طريق العالم سهلاً وطريق الرب صعبًا، لكن الأول يفقد النفس بصيرتها وحيويتها فيجعلها كمن في الطريق خاملة بلا عمل، تجلس في خيبة أمل تستعطي الآخرين.

ثانيًا: كانت صرخات الأعمى: "يا يسوع ابن داود" تعلن إيمانه به أنه المسيا المنتظر، الموعود به. إنه ابن داود الذي تترقبه الأجيال. يقول القديس كيرلس الكبير: [إذ تربى في اليهودية، وكان بحسب الميلاد من هذا الجنس لم تهرب من معرفته النبوات الواردة في الناموس والأنبياء بخصوص المسيح. لقد سمعهم يسبحون هذه العبارة من المزامير: "أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه، من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك" (مز 132: 11). لقد عرف أيضًا أن الطوباوي إشعياء النبي قال: "ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت (يزهر) غصن من أصوله" (إش 11: 1)، وأيضًا قال: "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا، وتدعو اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" (إش 7: 14؛ مت 1: 23). فإنه إذ آمن أن الكلمة بكونه الله تنازل بإرادته ليولد حسب الجسد من عذراء مقدسة، اقترب منه كما من الله، وقال له: "ارحمني يا ابن داود"... لقد شهد أيضًا لمجده بسؤاله عملاً لا يقوم به غير الله وحده.]

ثالثًا: كانت الجموع تحيط بالسيد وتزحمه جسديًا، وعندما أراد الأعمى أن يلتقي به إيمانيًا لم يجد من الجموع إلا المقاومة، إذ قيل: "فانتهره كثيرون ليسكت"، وأمام هذه المقاومة: "صرخ أكثر فأكثر"، من واعز إيمانه الذي لا يُغلب.حتى في داخل الكنيسة حينما يود إنسان أن يلتقي بالسيد خلال الروح قد يجد مقاومة وروح النقد تثبط الهمم، لكن النفس التي تتمسك بالإيمان الحيّ تشعر باحتياجها للمخلص، فتزيدها المقاومة صلابة، ويزداد صراخها الداخلي أكثر فأكثر، فيكرمها السيد المسيح بدعوتها أن تقترب منه وتتمتع بحضرته كما بعمله الداخلي فيها. يقول القديس

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تفسير قراءات الأسبوع السادس من أيام الصوم الكبير

مُساهمة من طرف ماير في السبت مارس 28, 2009 6:18 pm

كيرلس الكبير: [لتفهموا من هذا يا أحبائي أن الإيمان يدخل بنا إلى حضرة المسيح، ويقدمنا إلى الله (الآب) فنُحسب مستحقين لكلماته.]

رابعًا: إذ أمر السيد أن يُنادي، تحولت القوى المقاومة إلى قوة عاملة، إذ نادوه قائلين: ثق، قم، هوذا يناديك.

إن كانت هذه الجموع تشير أيضًا إلى الجسد الذي كثيرًا ما يقاوم النفس حين تود الالتقاء مع مخلصها ببث روح الخمول والتراخي، لكن النفس المثابرة تستعطف المخلص فيحول الجسد إلى آلات برّ تعين النفس في لقائها مع الرب. لهذا يقول القديس يوحنا سابا: [يتنعم الجسد والنفس معًا في الرب بالمحبة والفرح.]

خامسًا: طرح الأعمى رداءه وقام وجاء إلى يسوع. إنه تدريب يومي تقوي، فيه يطرح المؤمن أعمال الإنسان القديم كرداء، ويتمتع بالقيامة مع السيد ليكون دومًا معه وفي حضرته.

سادسًا: سأله السيد: ماذا تريد أن أفعل بك؟ ليس من عدم معرفة، إنما ليعلن إيمانه أمام الجميع، وليؤكد أنه يعطي من يسألونه.

سابعًا: تمتع بالبصيرة فتبع يسوع في الطريق، وكما يقول القديس جيروم: [أنتم أيضًا تستردون بصيرتكم أن صرختم إليه وطرحتم رداءكم القذر عنكم عند دعوته لكم... دعوة يلمس جراحكم ويمر بيديه على أعينكم، فإن كنتم قد وُلدتم عميان من البطن، وإن كانت أمهاتكم قد حبلت بكم بالخطية فهو يغسلكم بالزوفا فتطهرون، يغسلكم فتصيرون أبيض من الثلج (مز 51: 5، 7).]
+ + +

ماير
Admin
Admin


http://elsalah.forumotion.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى